الفكر العاشورائي وثقافته وأثرهما في تفجير الصحوات الإسلامية
۱۳۹۷/۰۹/۲۴ ۱۳:۴۲ 370

الفكر العاشورائي وثقافته وأثرهما في تفجير الصحوات الإسلامية

 

 

الفكر العاشورائي وثقافته وأثرهما في تفجير الصحوات الإسلامية

 دراسة بحثية في جذور الصحوات وتأثرها بالفكر والثقافة العاشورائية

 

 عبدالأمير سليماني

 

يا من يرى حٌب الحسين تشيعًا

                         إنَّ التشـــيع ثــورة وجهــاد

ثار الحسيـن على يزيد لفسقـه

                       ولقــد غزانــا الكفر والألحادُ

المقدمة

وإن تكن متأخرة هذه الثورات العارمة والصحوات الصارخة ولكنها وصلت بعد مخاض طويل وتركيب متواصل وأرهاصات متلاحقة... حيث عاشت الأمة الإسلامية في أجواء الجمود والظلام المطبق بسبب: ([1])

1 – سياسة الاستكبار العالمي في إيجاد أمة تتصارع فيما بينها ليأكل بعضها بعضاً وتنشغل بروحها ولا تلتفت إلى ما يمارسه حكامها المنصَّيون، فخلال القرنين الآخيرين عمد الاستكبار البريطاني الخبيث ثم الاستكبار الأمريكي. إلى زرع متفجرات في قلب الأمة الإسلامية من حركات هدامة مغايرة للكثير من عقائد المسلمين، وتتبنى أفكارها . الصق الكثير منها إلى الامام أحمد بن حنبل في اطلاق العنان «الوهابية» المغالية التي وقفت ضد كل المسلمين دون تفريق فهي ضد السنة كما هي ضد الشيعة وكما هي ضد الصوفية بكل ألوانها ثم البهائية الهدامة والقادانية الفاسدة وأمثال ذلك.. بعدها فتنة التفرقة المذهبية بين كل المذاهب بعضها مع البعض كما في فتنة الشافعية والحنفية. والشيعة والسنة كذلك المسلمين والنصارى. فكانت ثمرتها.

أ – سيطرة الاستكبار وهيمنته على ثروات الامة بكل اشكالها

ب – السيطرة على مصادر الطاقة.

حـ - السيطرة على التجارة وجعل البلاد الإسلامية مستهلكة

د – أدارة سياسات الدول الإسلامية بما تريده في الاقتصاد والمياه، والنقد و.

هـ - بروز عنصر التفرقة بشكل فردي بين أبناء الدين الواحد

 

2- تغيير الثقافة والأفكار في الأمة بغزوها بأفكار الإلحاد والفكر الرأسمالي والشيوعي الليبرالي والماركسي والاشتراكي والقومي حتى وصل الحال إلى نسب بعضه إلى الإسلام. وكنسب الاشتراكية كمبدأ سياسي اقتصادي إلى الإسلام او نسبة الإسلام للعربية وما إلى ذلك ولذا فقد نتج عن ذلك.

1 – سياسة التغريب.. واستصغار المواطن لنفسه ووطنه وجعل الغرب هو الأعلى وصاحب الكلمة والثقافة والتقدم وقسموا العالم إلى الشمال المتقدم والجنوب المتأخر. العالم المتقدم والعالم المتأخر أو العالم النامي أو العالم الثالث.

2- انتشار الفساد بكل انواعه الخلقية والحكمية وغيرها.

3- اشغال العالم بالانقلابات التي تديرها دوائر المخابرات العالمية وتأخير البلد عشرات أو مئات السنوات.

4- جعل الفقر والجهل والمرض خيمة دائمة على مجتمعاتنا. ينشغل بها بعيداً عن الظلمة الحاكمين.

5- من خلال السياسة المفروضة منع الأمة من أحياء تراثها بحجة وأخرى كمنع مراسم أحياء الشعائر الإسلامية في تركيا ومنع مراسم أحياء عاشوراء الحسين(ع) التي تحيي الفضيلة والعزة والكرامة وتخلق الأمة التي تصد الظلم وتتنفس الحرية.

6- بث الفرقة بين الأمة وأختلاق الأزمات المذهبية والقومية وإيجاد الحروب الداخلية.. وأتهام الشعوب بتأخرها عقليًا وقابلية.

 

3- اختلاق المشاكل بين الشعوب وغزوها والعمل على أدارتها بحجة أنها غير قادرة على أدارة نفسها واحلال الأمن لديها كما هو الحال في العراق وأفغانستان حيث سالت أنهار من الدماء والمصائب والفتن والحروب.. حتى حدا بالبعض يطلب من الأمريكان الأعداء الكفار تخليصه من أخيه المواطن تلك أعمال المخابرات الخبيثة في خلق المسلم عدوًا الإسلامه وقد نتج عن هذه الحالة.

آ – نسى المسلم أنه مكلف بقيام الوحدة الإسلامية في مجتمعه. وهو معنيٌ بها وأهم وظائفه حتى أصبحت آخر ما يتذكره السلم.

ب – خلق روح الشك لدى الإنسان المسلم بأخيه المسلم الآخر وإيجاد فجوة نفسية لا أساس لها في عقيدته.

4- وجود الفكر الأموي المنحرف وتبنيه من قبل البعض الذي يقسم المسلمين إلى مستسلمين للحاكم الظالم الفاسد الخارج عن طاعة الله ورسوله. وهو السبيل الذي يعمل له الحكام من أجل بقائهم في السلطة بالعمل بأساليب الآمويين الماكرة وتنصيب المفتين الظلمة أيضاً حيث أستعان بنو أمية بأبن شهاب الزهري مفتيا وعروة بن الزبير وأمثالهم... أحكام الأعدام التي تصدر هنا وهناك بحجة المطالبة بدم عثمان بن عفان. القتل العمدي لمجرد عدم الموالاة. الغارات.. فيذكر ابن عبد ربه الأندلسي أن الحجاج بن يوسف الثقفي حين أراد الذهاب للحج قال للناس: إني أردت الحج وقد استخلفت عليكم ولدي محمداً وأوصيته فيكم بخلاف وصية رسول الله في الأنصار فأنه أوصى فيهم ان يقبل من محسنهم وأن يتجاوز عن مسيئهم وإني أوصيته ألا يقبل من محسنكم وألاّ يتجاوز عن مسيئكم ألا وأنكم قائلون بعدي مقالة لا يمنعكم من أظهارها إلا خوفي لا أحسن الله له الصحابة وأنا أعجل لكم الجواب فلا أحسن الله لكم الخلافة ثم نزل فلما كانت غداة الجمعة مات أبنه محمد وجاءه نعي أخيه محمد في اليمن ففرح أهل العراق. كما يذكر ابن عبد ربه أن عمر بن عبدالعزيز قال لو جاءت كل أمة بمنافقيها وجئنا بالحجاج لفضلناهم . وقد خرَّ عمر بن عبدالعزيز ساجداً لما بلغه موت الحجاج . وقد كفره «الحجاج» كثيرون.

هذه العوامل وغيرها بلدت فكر الأمة فسبتت كثيراً حتى نسوا أو تناسوا الحرية وخيم الخوف لا أحد يستطيع كسره حتى ساعة انطلاق الثورة الإسلامية في إيران، تلك الثورة الجبارة التي هزت العروش المتناثرة وهدمت عرش الطاووس في إيران. وليستنشق الشعب المسلم في إيران نسيم الحرية بعد ان صمم وأعطى آلاف الشهداء وعشرات الآلاف من الجرحى والمعوقين.. ذلك هو ثمن الحرية. فكانت الشرارة الأولى... لتختزن أفكارها في النفوس، وجوبهت الثورة من أعدائها القاصي والداني، وأخوف ما أخافهم تصدير الثورة. وحوربت الثورة خوفًا من تصديرها. وكان كذلك حيث أخذت الثورة تنبعث هنا وهناك فألفت فكر المقاومة وفكر الحرية في العراق ولبنان وفلسطين وعند أصحاب الغيرة من رجال الصحافة والتنوير... حتى أخذت تثمر في تونس ومصر وليبيا والبحرين والحجاز واليمن والمغرب العربي وغير ذلك أنها الصحوة المباركة التي سنعيش فكرها وجسمها بعد قليل.

 

 

المبحث الأول

الفكر والثقافة ونموها

 

أي فكر وأي ثقافة:

من المعلوم أن الفكر هو ما يطرح من مفاهيم وغيرها بشكل معلومات يرتبط بعضها بالبعض الآخر لتصل إلى حقيقة معينة أو هدف مطلوب من خلال معلوم جديد بدلاً من مجهول سابق. وكما قال المناطقة في التفكير أنه سير وحركة الذهن من مطلوب مجهول إلى معلوم عبر سلسلة مقدمات معلومة فيصبح الفكر ترتيب أمور معلومة لتحصيل أمر مجهول. لذا فالفكر حركة إلى المبادئ ومن المبادئ إلى المراد.

فالفكر الذي بُني على مقدمات السلامة والمنطق السليم الصحيح النابع من العقيدة الحقة الصالحة المحكمة. وفق مقتضيات الفطرة الإنسانية التي لا يمكن النقاش فيها وليست ما بنيت على متبنيات المنطق العلماني الغربي في فهمه للحياة والكون.

والمسلم الذي ينتمي للإسلام عليه أن يبني فكره وفقه ولا يمكن له أن يعتقد بشيء ويتبنى شيئًا آخر، مما ينتج عنه أنفصامًا فكريًا في عملية المنهج والتخطيط، كما يحدث اللبس والخلط في المفاهيم والمزج في فهم الثقافة.. حتى يصل إلى سلب الهوية الأصلية للفكر الإسلامي. فينتج التشويه وسوء التغير... وهذا ما شاهدناه في ما وصل إليه من فصل الدين عن السياسة.

ولهذا نستطيع القول أن القرآن الكريم يشكل المحور الأساس لحركة الفكر الإسلامي منذ بدء البعثة وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.. لذا فإن عباقرة الإسلام تخرجوا من مدرسة القرآن الكريم والقرآن هو الماء أو المطر الذي يحيى النفوس والعقول، وهو الذي يحرر الإنسان من واقعه الفاسد إلى واقع حي نابض بالحياة والامام الحسين الشهيد (عليه السلام) نموذجًا لذلك نراه في ثورته الإنسانية عمل على تحرير عقل الإنسان من سيطرة المادة والشياطين والطغاة الذي يتملكون العقول فيوجهوها لما يريدون سوى بحكم الظالم أو أعلامهم الفاسد.

مقومات التنمية الفكرية

والحقيقة التي لابد منها أن الفكر يتجمد ويتقولب إذا ما أصبح راكدًا كالماء الراكد، ويكون فكرًا متخلفاً لا يماشي العصر وأطوره ونموه.. ويكون عبئاً على أهله.. وهو ما وقع فيه الكثير من تمسكوا بآراء بعض الصحابة حتى وأن أخذناها بمعنى الاجتهاد.. لأن الاجتهاد تقيده ظروفه وأجواؤه، ولعل القرآن الكريم هو أعظم مثال على ذلك فمفاهيم بعض الآيات في زمن الصحابة والتابعين كانت تشرح وتفسر بما يلائم ذلك الزمان لكن بعد تطور الحياة وظهور بعض الاكتشافات، وجدنا أن بعض العلوم ظهرت كمصداق وشواهد على معلومات القرآن... ولهذا فإن: لابد من مقومات للتنمية الفكرية يمكن إيجازها:

1 – القرآن الكريم والحديث الشريف اكدت على تحديث ما لدى الإنسان من العلم والفكر، ومراعاة العصر والتطور الحادث وما يدور في العالم من وسائل وتحديث وحداثة حتى يتناسب الفكر المطروح وما يعيشه العالم... والقرآن الكريم المعجزة الخالدة وهو كلام الله العزيز الذي يحيا في كل عصر ومصر.

2- التراث الإسلامي المتنوع في العلوم الإسلامية والتاريخ والاجتماع ومعاملات الاقتصاد والأنظمة والقانون وهي مكتبة ضخمة نظرية وعملية مليئة.

وعلى الرغم من أن الإسلام بفكره وتراثه الواسع والعميق من أنه قانون فإنه قبل ذلك نظام تربوي، وهو الجانب المهم في الإسلام، والذي يعمل على صياغة العقل البشري بالشكل الذي يجعله إنسانا. والإنسان المسلم الملتزم هو الحقيقة المنظورة.

3- الانتاج العلمي والأدبي الحي الذي ألف وانتج في القرن الهجري الحالي والذي نهضت به الثلة الصالحة وجماعة الاصلاح الذين عاهدوا الله على نهضة الإسلام.

 

المبحث الثاني

البعد والقرب من الشرائع الآلهية

وموضوع الأديان يعد من الموضوعات المهمة في حياة الأفراد وأقصد به الأديان الإلهية الخالية من الخرافة والأسطورة التي متى ما وجدت أصبح الدين العوبة أو أداة تربوية سالبة خصوصًا إذا ما علمنا أن هدف الأديان السماوية جمعاء جاءت لتحقيق التوحيد والعدل في العالم وبين بني البشر. وهذا ما لا يتحقق إلآ بتحرير عقل الإنسان من السيطرة وأطلاقه حرًا قابلاً للتفكير بحرية وأبداع بعيداً عن التضليل والتزوير، كما ان الأديان تؤكد على القيم الإنسانية الرفيعة السامية التي تستعيد الحاكم الوحش الإنسان القائم على القتل والظلم والعنف والارهاب والباطل والطغيان. وهنا نحب أن نشير إلى:

 

أولاً: وحدة الأديان

المتفق عليه بالكتب السماوية ان كل الأديان وحدة واحدة تدور حول محور التوحيد والعدل، وهما الأمران اللذان تقف عنده دعوات الأنبياء من أول نبي إلى آخر نبي بعثه الله سبحانه، وهذا المفهوم لابد أن يكون له واقع معاش بين اتباع هذه الأديان وبالتالي فليس هناك فرقاً في هدف الأنبياء بل العكس أن الوحدة هي الجامع لكل الديانات وانبيائها واتباع هؤلاء الأنبياء، والقرآن الكريم يؤكد ذلك بل يأمر أصحابه في الإشارة إلى صفات المتقين حينما يقول ﴿ الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ (البقرة/1-3).

 

وحدة الشعار الحسيني في عاشوراء وصحوات اليوم:

لا غرابة من كون الشعار واحد لأن الغاية واحدة والهدف واحد.. ثورة عاشوراء الحسين ثورة الحق ضد الباطل. وثورة العزّة والكرامة ضد الذّل والهوان والعبودية. وثورة التغيير والاصلاح ضد الاستسلام والخنوع والمسكنة.. حملتها خطب الأمام الحسين(ع) الثائر منذ خروجه من مكة. فقال

ـ إن يزيد رجل فاسق فاجر شارب الخمر قاتل النفس المحترمة ومثلي لا يبايع مثله.

ـ وقال. هيهات منا الذلة.. يأبى الله لنا ورسوله والمؤمنون.

ـ وقال: ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالما وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي أريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن ردّ علي هذا فأصبر والله خير الحاكمين.

 

ثانيا: الالتزام بالهوية الإسلامية:

إن كل الصحوات والانتفاضات على مر التأريخ كانت تحمل هوية معينة، فنحن نرى هوية الثورة الحسينية العاشورائية تحمل هويتها الواضحة بلا أي ريب هي رسالة النبوة «أريد أن أمر بالمعروف وانهى عن المنكر وأسير بسنة جدي رسول الله(ص) وسيرة أبي علي بن أبي طالب هذه هويتها. ولذا حينما جثم الشمر بن ذي الجوشن القائد الأموي اليزيدي على صدر الامام الحسين(ع) وكان فيه رمق من الحياة وقال له يا شمر أتعرفني قال نعم أعرفك أنت الحسين بن علي بن أبي طالب وجدك النبي محمد وأمك فاطمة بنت محمد وأقتلك وأحز رأسك. إلى أي حد وصل هذا الوحش من درجة التسافل.

ولذا هذه المناظر وغيرها أثرت على الشعوب من أجل الحق فكانت الصحوات براقة تركز على هويتها الإسلامية والوطنية.. وخطاب الصحوات واضح جداً، وأن كان خطاباً في انطلاقته لكنه إسلامي في وجوده واهدافه وتطلعاته.

 

المبحث الثالث

ثقافة عاشوراء وآثرها في الصحوات

عاشوراء كما قيل عنها انتصار الدم على السيف. انتصار دم الشهادة العزيز والأبي المطالب بالحرية.. «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا» على سيف الجلاد الظالم. هذا الفكر المولد المنبت لم يتوقف وما كان لله ينمو بدون أي ريب أو شك. بل هذا الفكر يتجدد ويتجذر كل عام بل كل يوم حتى قال أحد العلماء «كل يوم عاشوراء وكل ارض كربلاء» لأن وجود الظلم وأستملاك الأنفس والإنسان يعني مقابله عاشوراء ثورة وصرخة ضده «هيهات منا الذلة» أنها شعارات الثائر الإسلامي الأول لإقامة الصراط المستقيم عند انحرافه هو سبط الرسول الأعظم(ص) الإمام الحسين بن علي أبي طالب (ع) اخ الرسول وأبن عمه وباب علمه وابن فاطمة بنت رسول الله وبضعته الطاهرة عليها السلام. هذه الثورة المباركة التي لم تحدها حدود جغرافية، ولم يقتصر عطاءها لفئة دون أخرى أو لمذهب دون مذهب آخر. بل كانت ثورة بكل معنى الكلمة وكل معنى الشمول والانقلابية والاصلاحية والتغيير فشارك فيها العلوي وبجنبه العثماني وبقربهما النصراني الذي أسلم قبل أيام قليلة والسيد والعبد والقرشي والموالي والصحابي والتابعي والمكي والمدني والكوفي... أنها ثورة بكل المقاييس ضد الطغيان والعنف الأموي الغادر.

انها عاشوراء الثورة الخالدة والمستمرة على طول التأريخ انها تمثل «ثار الله سبحانه» لأعادة الحياة النبوية إلى أصولها ومكانها كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم «حسين مني وأنا من حسين» ولهذا فإننا نضع الفكر العاشورائي الحر خيمة مظللة على صحواتنا في سياق العناوين الآتية.

 

أولاً: الفكر العاشورائي فكر جهادي صميم لإيقاض الأمة

هذا الفكر حمل الجهاد شكلاً وروحاً وقضية، كتحرك يحمل اسمى المعاني وأجملها والمتمثلة في الثائر القائد والنخبة الثائرة جاء بهم دون غيرهم من الناس الذين لم يوفقوا للمشاركة وإلاّ كان بعض الصحابة الذي سمعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول: حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً، إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة، الحسن والحسين أمامان إن قاما وإن قعدا، الحسن والحسين سبطاي، الحسن والحسين ريحانتاي... وغيرها... بل وسمعوا واعية الحسين (عليه السلام) وهو يصيح ألا من ناصر ينصرنا ألا من ذاب يذب عن حُرم رسول الله (ص) هؤلاء الاصحاب كالأرقم وأنس بن مالك... كانا في الكوفة ولكنهما لم يوفقا.

كانت عاشوراء تحمل كمال الأخلاص والوفاء للإسلام والحق والامامة العادلة المتمثلة في الحسين(ع) كانت تحمل النصرة لله في أنصاره ونصرة للإسلام ونصرة للنبوة والامامة والخلافة الشرعية. ولهذا كان انصار الامام الحسين خير الانصار وخير الاصحاب والصفوة كما وصفهم هو (عليه السلام) وقال فيهم «إن أصحابي خير الأصحاب. وما رأيت أصحاباً أبر ولا أوفى من أصحابي أنهم يستأنسون بالمنية استئناس الطفل بمحالب أمه» وكان أصعب منظر حينما رآهم نياماً شهداء حيث يعبر عن لسانه الشاعر العربي بقوله.

احباي لو غير الحمام أصابكم إلى الله اشكو لا إلى الناس اشتكي

 

عتبتُ ولكن لا على الموت معتب أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهـب

أنها مناظر تثير المشاعر وتفتح القرائح وتفجر الدموع في المحاجر فنرى الشاعر عبدالحسين الأعسم يثير الألم ويثار هو لا شعورياً حينما يقف على ذكرى عاشوراء الكرامة فيقول مخاطباً الحسين بن علي(ع):

تبكيك عيني لا، لأجل متوبة تبتلُ منكم كربلاء بدم أنست رزيتكم رزايانا التي وفجائع الايام تبقى مدة وتزول لهفي لركب صرعــــوا في كربــلا

 

لكنما عيني لأجلك باكيا ولا تبتلُ مني بالدموع الجاريا سلفت وهونت الرزايا الآتيا وفجيعتكم إلى القيامة باقيا كانت بـــــهم آجلهـــم متدانيــة

هذا هو الصدق الذي يشحن النفوس لتثور لإنسانيتها وعزّتها وكرامتها، فتستلهم من عاشوراء الكبرياء لترجع إلى فطرتها التي فطرها الله تعالى.. فتستصغر التضحية في سبيل ما هو أعلى واكبر وأسمى. أليس المبادئ العادلة هي أسمى ما يكون وتستحق كل التضحيات.. وها هي اليوم تتكرر في بلدان الصحوة والثورات التي أطلق الغرب عليها «الربيع العربي».

إنَّ محبي ثورة عاشوراء وملهمها يعلمون علم اليقين ويؤمنون ان عاشوراء هي نداء الحرية والعدل والعزّة وارجاع الحق إلى مكانه. أنه عاشوراء الملهم والمنبع والدافع والداينمو المحرك وحتى قيام الساعة ضد الطغيان وأهله وحزبه.

 

ثانياً: الفكر العاشورائي متجذر في الوجدان العقائدي والإنساني

نعم هكذا امتاز هذا الفكر الصادق الفكر الحق بكونه لا ينفك عن الوجدان العقائدي والإنساني بشكل عام لأنه لا يمكن عزله عن الفكر الإنساني في قياسه وحجمه وعمقه وصدقه وأثره الفطري، وهو ما جعل تأثيره بالغاً في النفوس لتحمله الأجيال بعد الأجيال.. مادام هو الحق والفضيلة ضد الباطل والرذيلة. ما دام لا يقبل الانتقاد لخلوه من أي ثغرة تسمح لذوي النفوس المريضة والمطامع الزائفة، كما أنها لا يحمل فكرها نواة موته أبداً. وإلا لماتت حينما توفرت ظروف موتها على أيد الطغاة. بل هي نور يتوهج وخضرة تنبت هنا وهناك، وهي كرامة كبرى أوجدها الله تعالى في القلوب وأدامها المولى خالدة تقديراً لصاحبها المفدى الامام الحسين بن علي (عليه السلام)، كيف لا ويقتل الطفل الرضيع عبدالله «على الاصغر» في حضن والده الامام الحسين فيقول كلمته الخالدة بهذا الحال المؤلم جداً «هونّ عليّ ما نزل بي أنه بعين الله» وهذا ما لا يستغرب أحد حينما يرى إنساناً غير مسلم يدخل الإسلام لمجرد أن يقرأ حياة الامام علي(ع) فقط أو الامام الحسين(ع) كما فعلت المسلمة الفرنسية وقد اسلمت دون أن تقرأ عن الإسلام شيئاً سوى حياة الامام علي (عليه السلام)... كما لا عجب من احياء عاشوراء كل عام حيث هي القوة الشاحنة لهذا الإنسان لتلهمه القوة في الحق وتلهمه امتثال العزة والكرامة، والقريب أن أحياءها ليس فيه ذرة تكلف بل هي نشاط عفوي لذيذ، لأنه أستجابة لنداء الحق واحياء لتجديد البيعة واحياء أمر الله جلت قدرته. وأعلان الرفض الصريح ضد الباطل والطغيان والطغاة والشياطين.. الأمر الذي يفهمه هؤلاء فيعملون بما أوتوامن قوة لمنعه ومطاردته على طول الدهور. بل لم يكن لعاشوراء مكاناً واحداً بل تجد عاشوراء في تمام الكرة الأرضية لأثبات شهادة ألا إله إلا الله محمد رسول الله عملياً في احياء ذكرى النبي(ص) ودعوته المباركة في ذكرى سبطه وولده وريحانته حباً وولاء وأقتداءً . بل وهضم معنى الالتزام في يوم عاشوراء بالإسلام واحكامه.. وأن كانت الدمعة علامة طبيعية للمؤمن المحب الموالي.

أليس الامام الحسين (عليه السلام) وهو امام الحق والخليفة الشرعي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو المحور الاساس الذي تجمعت حوله تلك النفوس الطيبة على أختلاف انتماءاتها القبلية وحتى السياسية والفكرية الخاصة كما ذكرنا في البحث لقد توحدوا بالحسين (عليه السلام) كما توحد مختلف الناس بالرسول الأعظم(ص) على الحق والحرية والسلام والعزة وعبادة الله الحقة، ضد الفساد والرذيلة والجاهلية والاستكبار والغطرسة فلماذا العجب من جعل عاشوراء اليوم هي المحور الذي يجمع الأحرار ورجال الصحوة يلتفون حولها. وهي المحور لرفض الظلم والطغيان ومنكري شهادة الإسلام.ومغتصبي الحقوق ودعاة النفاق والشقاق في هذه الأرض.

 

ثانيا/ الصحوة الإنسانية رجوع للفطرة والعدالة المفقودة

لا شك أن الفطرة الإنسانية لا تقبل غير الصحيح، لأن كل صحيح هو طبيعي. وكل مخالف هو مخالف للفطرة والطبيعة.. ولما كانت الشريعة الإسلامية تحمل كل مقومات الإنسانية وسبل فطرتها، فهي رسالة إنسانية بحق. في أرساء الحق والصدق والعدل والسلام والسعادة لبني البشر وحجب الظلم والقهر والاستعباد ورفض الباطل والتجاوز فهي بحق رسالة إنسانية تتوأءم والفطرة الإنسانية ذات النزعة الصالحة والفطرة السليمة.. لكن طغيان الحضارة المادية وسيطرتها على المجتمع مكن مرضى النفوس من السيطرة بالباطل وقوة القهر، ولم يعد للجانب الروحي والوجداني وجود حر في هذه الثقافة الجديدة على الإنسان، وتلونت الثقافة العامة بها لتؤثر حتى على الثقافة الإسلامية فترفع عنوان الإسلام وتمارس ما يخالفه، بدء من التفكير وسلامته في طرد عنصر الأخلاق الفاضلة إلى ما بعد ذلك من أجراءات متعاقبة ليعارض ما أراده الله سبحانه في استثمار الكون المسخر للإنسان طبق مشيئته سبحانه، فأفتقد التوازن في كل شؤون الإنسان وعلاقاته بالحياة وأصبح البعد والمسافة الفاصلة بين الحضارة المعتمدة على الفطرة والممارسة الموجودة والمعمول بها بعداً كبيراً جداً، بحيث يصعب حتى التفكير بأرجاعها، ونتج ان فقدت القيم والموازين في غمرة التسابق والسباحة في المادة ومحيطها والتشبث للوصول إلى التسلط والقيادة بكل الوسائل مادام الحس والإنساني مفقوداً لتحقيق المآرب المادية والشخصية، سيما وأن التقدم التكنولوجي ساعد في هذا الأمر، فأستوحش الإنسان ليطغى ويقتل أخيه الإنسان إذا ما وقف في سبيله، فأنعدمت المعايير والقيم الإنسانية وانقسم المجتمع إلى ظالم متسلط يحكم بالقوة ومجتمع ضعيف لا يملك من القوة ما يمكنه من صد هذا الظالم، وتصبح المصلحة والمنفعة هي المعيار الاساس عند الأخرين. والأمر الآخر يقوم الظالم بمحاصرة الناس ومنع الفكر الحي الموقظ ومحاربة الفضيلة والصدق والحق تلك الصفات التي ترجع الإنسان إلى فطرته فنراه يحصر القيم الصالحة والاخلاق الحميدة في زاوية ضيقة جداً ويحارب الشعائر ويتهم أهل الخير بمختلف التهم الباطلة. ولقد رأينا في العراق كمثال على ذلك كان الاستكبار البريطاني الخبيث الذي سيطر على البلاد بخيانة الدولة العثمانية آنذاك. وأستورد ملكاً للعراق ثم أنشأ أحزاباً علمانية وشيوعية وغرس سياسة التفرقة ودمر الاقتصاد وعناصر ونموه وأدخل وسائل التربية السيئة حتى مجيء الحزب الصليبي حزب البعث الذي أهلك البلاد والعباد فقام بحملة مخططة سلفاً في قتل العلماء واعدام عناصر القوة كالرأسماليين والمستثمرين وتجار البلد والقائمين على اقتصاده، ثم حارب الإسلام حرباً شعواء ومنع الشعائر الحسينية التي تخيفه كثيراً جداً حتى الطعام الذي يبذله الناس للفقراء وتوزيعه بالمناسبات الإسلامية اعتبره «خرافة» كما يقول. وشنّ حملة مسعورة في الجامعات وباقي قطاعات المجتمع فقتل من قتل وسجن من سجن وهاجر من أستطاع أن يهاجر. وسادت الفوضى والحكم البوليسي. كما اشغل المجتمع بثلاث حروب مفتعلة عجيبة جداً. مات فيها العراق تماماً بملايين القتلى والجرحى والمشردين ولم تبق بنية يعتمد عليها.. كان الواقع هو السيد الجديد أمريكا التي كانت توجه صدام الأرعن توجيها مباشراً وهو ينفذ كما يوجه، وكانت الحرب الأخيرة التي أختلقت من أجل السيطرة على العراق بحجة وجود أسلحة دمار شامل في العراق والحقيقة أنه أتفاق بين صدام وحزبه المشئوم وبين المخابرات الأمريكية لتستلم أمريكا العراق وقد أغفلت أمريكا المعارضة التي تتشبث بكل قوة تخلصها من الدكتاتور الوحش، ويكتمل الفلم بمجيء القوات الأمريكية وبعض القوى المحالفة دون أن يقابلها صدام بطلقة مسدس واحدة فضلاً عن غيرها. ويحكم العراق ويطوق بقرارات مجلس الأمن الإكذوبة والوسيلة للتحرك الأمريكي لأي واجهة، ويكبل العراق باتفاقيات اقتصادية وعسكرية وأمنيته ويصبح العراق جثة مسلوبة القدرة، وعلى الرغم من ذلك فأن الشعب ضحى وعمل ما بوسعه لطرد المحتل الخبيث وكسر قيوده التي كبل بها العراق.

إن الفطرة الإنسانية حينما يزول عنها الركام وتفيق وتنهض تتمرد على ما تعاني منه من أغلال وقيود وتثور مهما كانت التضحيات: إن شعب البحرين الآن إذ يمر عليه عام من الثورة وهو صامد سلمياً بوجه آل خليفة الطائفيين الذي يحتمي بجيوش المرتزقة وقوات السعودية المحتلة لدولة البحرين جاءت لتقمع الثورة الشعبية العارمة التي ما أنفكت مشتعلة رغم كل وسائل القمع الدموية لأنها تطلب الحرية وحقوقها المسلوبة وسيادة بلدها المحتل لقوات ال سعود التي تحتمي جميعاً بالأسطول الخامس الأمريكي إن دولة كالبحرين يتألف جيشها من المرتزقة والعصابات المتجنسة من أصقاع الأرض وأشرارها. ترفض الحرية لشعبها خوفاً منه.

 

رابعاً: الحسين والحرية وحقوق الإنسان

امتاز أهل البيت (عليهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرم تطهيراً بالعصمة والحق، وكما قال الرسول(ص) «على مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث دار» وهم المؤثرون: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا، إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا، فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا...﴾ وقال الرسول الأعظم (ص) «الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة»..

لذا حينما نلقي نظرة خاطفة على ثورة شارك فيها الرجال والنساء والأطفال واليافعين بحماس منقطع النظير وبقوة فاقت كل متوقع لا يمكن فرزها بكونها ثورة لمصلحة ذاتية مادية دنيوية على الأطلاق مهما كانت هذه المصلحة أو المنفعة إنما كانت تهدف إلى مصلحة لا تختلف عن مصلحة الأنبياء والأوصياء الذين ضحوا بما لديهم وقتلوا وأوذوا ونشروا وفقدوا العيال والأولاد من أجل الحب الألهي والأمر الإلهي والارادة الإلهية بصدق ووفاء وطاعة خالصة لا تشوبها ذرة واحدة من الخلاف، هي العبادة الحقة التي لا يقف أمامها الموت والفداء لهذا الدين الذي اراده الله تعالى.. لقد سبقت هذه الثورة برجالها كل من ضحوا قبلها أو بعدها. فهي أكبر من قتال جالوت وجنوده في أضيق الأحوال وهي اكبر كل الحروب التي كانت من أجل الله ولو أنها كلها تحمل نفس النية ولكن ثورة الحسين كانت أكبر بفداء أصحابها ومعرفة قتلهم وتضحياتهم وبذلهم.. ولسنا هنا في مقام الحديث عن ذلك وهم يخاطبون امامهم وقائدهم على قلتهم» ويقسمون ان لو قتلوا وذروا في الفضاء وأعيد بهم ذلك الف مرة لما تركوا قتالهم مع الحسين (عليه السلام)، حينما يرجع الإنسان إلى إنسانيته تصغر عنده كل الاشياء مقابل حب الله وعطائه ورضوانه. ([2]).

ولهذا فإن الحسين (عليه السلام) وهو المعصوم بآية التطهير وأحاديث الرسول(ص) لم يخرج أشراً ولا بطراً ولا فسداً ولا ظالماً كما قال هو (عليه السلام) وانما لطلب الاصلاح في أمة جده المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) ليأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويسير على سنة جده الرسول الأعظم(ص) إذ يقول (عليه السلام) ما خرجت اشرا ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وأنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي أريد أن أمر بالمعروف وانهى عن المنكر فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن رد عليّ ذلك أصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين».

لهذا أثرت مصيبته (عليه السلام) بالملأ وهي الفاجعة الكبرى مما جعل الشعراء يرثونه بل ويشكل الأدب الحسيني أروع الفصول في تاريخ الشعر شارك فيها كبار الشعراء والأدباء بدءً من المتنبي والمعري والشريف الرضي وابو فراس الحمداني حتى عصرنا الحديث على لسان الجواهري شاعر العرب الأكبر إلى الملاحم المتعددة لمسلمين وغير مسلمين كصاحب ملحمة الغدير وملحمة أهل البيت للفرطوسي وغير.. ولعل أول من رثى الحسين(ع) هو سليمان بن قتّة العدوي التميمي مولى بني تيم بن مرة وكان منقطعاً إلى بني هاشم ومرّ بكربلاء بعد قتل الحسين(ع) بثلاث فنظر إلى مصارعهم وأتكأ على فرس له عربية وأنشأ:

مررت على أبيات آل محمد ألم تر أنّ الشمس أضحت مريضة وكانوا رجاء ثم أضحوا رزية وتسألنا قيس فنعطي فقيرها وعند غني قطرة من دمائنا فلا يبعد الله الديار وأهلها وإن قتيل ألطف من آل هاشم وقد أعدلت تبكي السماء لفقــــده

 

فلم أرها أمثالها يوم حلّت لقتل حسين والبلاغ أقشعرت لقد عظمت تلك الرزايا وجلت وتقتلنا قيس إذ النعل زلّت سنطلبها يوماً بها حيث حلت وإن أصبحت منهم برغمي تخلّت أذل رقاب المسلمين فذلت وأنجرنا ناحــت عليه وصلّــــــت

ويقول عباس محمود العقاد المصري في كتابه «أبو الشهداء الحسين(ع)» «فحقيق على المسلمين بل جميع الأمم أن يقيموا الذكرى في كل عام للحسين بن علي فإنه من عظماء الرجال ومن الطراز الأول جمع اكرم الصفات وأحسن الأخلاق وأعظم الأفعال وأجل الفضائل والمناقب علماً وفضلاً وزهداً وعبادة وشجاعة وسخاء وسماحة وفصاحة وقد جمع إلى كرم الحسب شرف العنصر والنسب فهو أشرف الناس أبا وأما وجداً وجدة وعماً وعمة وخالاً وخالة وقد جاهد لنيل أسمى المقاصد وأنبل الغايات وقام بما لم يقم بمثله أحد قبله ولا بعده فبذل ماله وآله في سبيل احياء الدين وأظهار فضائح المنافقين. وأختار المنية على الدنية وميتة العز على حياة الذل ومصارع الكرام على طاعة اللئام.... ثم يقول وحقيق بمن كان كذلك أن تقام له الذكرى كل عام وتبكي له العيون دماً بدل الدموع، وهل الحسين دون «جان دارك» التي يقيم لها الفرنسيون الذكرى في كل عام!!؟ وهل عملت لأمتها ما عمله الحسين لأمته أو دونه؟!» ([3]).

كما يقول العقاد. «وقد حث الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) شيعتهم ومحبيهم على أقامة الذكرى لهذه الفاجعة الأليمة في كل عام وهم نعم القدوة في ذلك.. ويقول العقاد: ومن المندوب يوم عاشوراء أظهار الحزن والجزع والبكاء وذلك: أولاً: لأن فيه مواساة للرسول(ص) الذي لا شك في أنه حزين لذلك اليوم على مولده...» ([4]).

ثانياً/ انه ثبت عن أئمة أهل البيت النبوي أنهم أقاموا العزاء في مثل هذا اليوم وحزنوا وبكوا لهذه الفاجعة وحثوا أتباعهم على ذلك ونعم القدوة الحسنة.. وأول من جعل يوم عاشوراء عيداً معروفاً في مصر هو صلاح الدين الأيوبي كما حكاه المقريزي في خططه ([5]). وكان الباعث سياسياً وهو مراغمة الفاطميين الذين سلب صلاح الدين ملكهم فقصد محو كل أثر لهم» ([6]).

وقد أشار الكثير للحسين (عليه السلام) وثورته، فقد قال عبدالله العلا يلي في كتابه «الإمام الحسين» انطلقت الحسين مودعاً الكعبة بيت الله حاملاً روحها بين جنبيه وشعلتها بكلتا يديه تواكبه الملائك وتباركه وتطيف به كأنها حذره عليه فإنه البقية من أرث السماء على الأرض، رعياً لذكراك أبا عبدالله فقد أحسست بروح الأخلاق في روح الوجود فأردت الحياة دنياً من الأخلاق والفضيلة والحب وأرادها الآخرون دنيا من الشهوات والرذيلة والأحقاد.

هناك الكثيرون ممن استوقفتهم ثورة الحسين ثورة الحرية والكرامة الإنسانية في تحقيق العدل من المسلمين ومن غيرهم من مختلف اصقاع الأرض فيقول الاستاذ الكبير توفيق ابو علم فمن كتابه «الحسين» «حياة الحسين عظمة من التاريخ، ولكن تجمع التأريخ كله ، فليس معناها في حدود ما وقعت من الزمان والمكان بل حدودها حيث لا تتسع لها حدود.... إلى قوله فيها المثل الاسمى للإنسان الكامل والصراط السوي للمسلم القرآني» ([7]).

اما عبدالرحمن الشرقاوي فأيضاً في كتابه «الحسين ثائراً شهيدا» يقول: أحبّ الحسين ذلك الحبّ الحزين الذي يخالطه الأعجاب والأكبار والشجن ويثير في النفس أسى غامضاً وحنيناً خارقاً إلى العدل والحرية والأخاء واحلام الخلاص» ([8]). كما قال أنطون بارا «كان الحسين(ع)» شمعة الإسلام أضاءت ممثلة ضمير الأديان إلى أبد الدهور وكان درعا حمى العقيدة من أذى منتهكيها وذب عنها خطر الأضمحلال، وكان أنطفاؤه فوق أرض كربلاء مرحلة أولى لاشتعال أيدي كمثل التوهج من الأنطفاء والحياة في موت» ([9]).

كما يقول الدكتور صالح عظيمة «لست أعلم حقاً أصرح ولا عدلاً أوضح من قومة الامام الحسين(ع) ومن ثورته ونهضته لقد كانت قومته لأحياء رسالة الإسلام بعد أن كادت تقضي يد أعدائها ومناوئيها» ([10]).

كذلك قال صاحب كتاب «الامام الحسين في حلّة البرفير» الاستاذ سليمان كتاني «ما أروع الحسين يجمع عمره كله ويربطه بفيض من معاناته ويجمعه إلى ذاته جمعاً معمقاً بالحسّ والفهم والأدراك . فإذا هو كله تعبير عن ملحمة قائمة بذاتها صمّم لها التصميم المنبثق مع واقع إنساني عاشه وعاناه وغرق فيه . إن الملحمة التي قدمها على خشبة المسرح في كربلاء هي الصنيع الملحمي الكبير، ما أظن هوميروس تمكن من تجميع مثله في الياذته الشهيرة» ([11]).

وقال ابن أبي الحديد «ما ظنك برجل أبت نفسه الدنية وأن يعطي بيده، فقاتل حتى قتل هو ونبوه وأخوته وبنو عمه بعد بذل الأمان لهم والتوثقة بالايمان المغلظة، وهو الذي سنّ للعرب الاباء» ([12]).

كذلك قال هربرت سبنسر: «إن أرقى ما يأمل الوصول إليه الرجال الصالحون هو المشاركة في صناعة الإنسان الآدمي، أي: الاشتراك في خلق جيل صالح، بين مدرسة الحسين ليست فقط مدرسة تنبذ المذنبين ولا يمكن لها أن تكون من صانعيهم، بل إنها مدرسة لا تكتفي بكونها تسعى لخلق جيل صالح، أنها مدرسة لتخريج المصلحين» ([13]).

إننا حينما نستعرض حياة هذا السبط الأعظم (عليه السلام) بالمقابل نطالع التأريخ لنقف عند رواية اين شريح اليشكري حيث يقول:

إن عبيد الله بن زياد صارحه (أي ابن شريح) بعد موت يزيد فقال: «أما قتلي الحسين فإنه أشار الي يزيد بقلته أو قتلى فأخترت قتله» ([14]).

لقد خطب الامام الحسين خطباً متعددة كلها تدعو إلى أحقاق الحق وسيادة العدالة وتطبيق احكام الدين وانصات المظلومين والقصاص من الظالمين ولعلنا ننقل نتفاً من بعض خطبه، حيث يخاطب الناس قائلاً:

أيها الناس: إن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم قال «من رأى سلطاناً جائرًا مستحلاً لحرم الله مخالفاً لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالأثم والعدوان فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود وأستأثروا بالفئ وأحلوا حرام الله وحرقوا حلاله...» ([15]).

وكان (عليه السلام) يردد هذه الأبيات:

سأمضي وما بالموت عار على ، الفتى       إذا ما نـوى حقاً وجاهد مسلما

وآسى الرجال الصالحيـن بنفســـه       وخالـــف مثبوراً وفارق مجرما

فـــإن عشـــت لم أندم وإن مت لم       ألم كفى بك ذلاً أن تعيش وترغما

ومن كلام لسيد الشهداء الامام الحسين (عليه السلام) يقول «الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معائشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون».

والغريب بالأمر وكما نرى هذا الأسلوب في يومنا هذا حينما يرفع بعض الحكام شعار الإسلام وخدمته وهم يقتلون الناس ويودعوهم السجون لعشرات السنين دون محاكمة كما في دول الخليج الفارسي ويودعوهم السجون لعشرات السنين دون محاكمة كما في دول الخليج الفارسي. الغريب أنه لما استشهد الإمام الحسين(ع) وقطع رأسه الشريف ورفع على الرماح قام جيش عمر بن سعد بن أپي وقاص بالتكبير والتهليل وبكل وقاحة وقد مثلها أحد الشعراء مخاطباً الإمام الحسين(ع).

ويكبـــرون بـــأن قتلـت       وإنما قتلوا بك التكبير والتهليلا

ويقول الشاعر العملاق السيد صالح بن السيد مهدي بحر العلوم منشداً ننقل بعضاً من أبياته:

أروحك أم روح النبوة تصعدُ ورأسك أم رأس الرسول على القنا وصدرك أم مستودع العلم والحجــا

 

من الأرض للفردوس والحورُ سجدُ بآية أهل الكهف راح يرددُ لتحطيمه جيش من الجهـــل يعمـدُ

كان الحسين هو الحسين الذي قال رسول الله(ص) «حسين مني وأنا من حسين» يعظ الناس ويذكرهم بدينهم وعزتهم ويدعوهم لمناصرة الحق كسلوك الأنبياء لا يملون من الدعوة إلى الله سبحانه. فلذلك نجد أن أبا عبدالله الحسين لم يترك وسيلة للدعوة والتبليغ ووعظ الناس وتوعيتهم إلا قام بها، وهو كأبيه وجده رسول الله(ص) لا يبدأ بالحرب.

كانت دعوة الامام الحسين (عليه السلام) دعوة للاصلاح والتغيير. وهو القائل «لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، أريد أن أأمر بالمعروف وأنهى عن المنكر فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن ردّ عليّ ذلك أصبر حتى يحكم الله والله خير الحاكمين».

ولم يخنع (عليه السلام) لذا كان قول «هيهات منا الذلة يأبى الله لنا ورسوله» كما كان يقول «إني لا أرى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما» وهذا لم يرق لبني أمية الذين نصبوا العداوة للإسلام وللنبي(ص) وأهل بيته وبنوا إعلامهم على ذلك وأسسوا لهذا الظلم الذي نراه حتى في يومنا هذا والمتمثل بالكثير من الأعمال كهدم قبور آل البيت (عليهم السلام)في المدينة على يد الوهابيين وضرب قبة مشهد الامام الحسين (عليه السلام) في كربلاء على يد صدام حسين وأعوانه ومنع الناس من زيارة أئمة أهل البيت(ع) والتوهين بهم واقل ما يمكن مساواتهم بغيرهم وهو غبط لحقهم (عليهم السلام) الذي قال الله تعالى ﴿ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ لماذا أوصت فاطمة أن تدفن ليلا ولماذا أوصى الامام أمير المؤمنين أن يخفى قبره حيث أوصى اولاده إذا مات بأن يضع نعش وتسييره نحو اليمن ونعش آخر صوب البصرة وقد دفن سراً صلوات الله وسلامه عليه.. الذي يقول فيه أبن أبي الحديد المعتزلي صاحب تفسير نه البلاغة.

يا برق أن جئت الغرى فقل له فيك اين عمران الكليم وبعده بل فيك نور الله جــل جـــلالــه

 

أتراك تعلم من بأرضك مودع عيسى يقفيه وأحمد يتبع لبني البريــــة يستشف ويشفــــع

فيك الامام المرتضى فيك الإمام المصطفى فيك البطين الأنزع

أنا في مديحك ألكن لا أهتدي يا قالع الباب التي عن هزها أأقــــول فيــــك سميـــــــدع؟

 

وأنا الخطيب الهزبري المصقع عجزت أكفٌ أربعون وأربع كلا ومثلــــك لا يـــقال سميــرع

                                  والله لولا حيدر ما قامت الدنيا ولا جمع البرية مجمع

أما بوليس سلامة فيقول في ملحمته «الغدير»

لا تقولوا شيعة هواة عليّ جلجل الحق في المسيحي حتى فـــإذا لـــم يكـــن علـــي نبيا

 

إنّ في قلب كل منصف شيعيا كاد من فرط حبه علويا فلقـــد كـان خلقـــــه بفــــوي

هذه الذرية التي بعضها من بعض خلقهم الله لهداية الأمة وليخلفوا النبي(ص) في أدارتها ومرجعيتها، فذاك محمد مهدي الجواهري يرثي الامام الحسين(ع) بقصيدته الطويلة «آمنت بالحسين» ويقول:

فداءٌ لمثواك من مضجع بأعبق من نفحات الجنان فيا أيها الوتر في الخالدين تعاليت من مفزع للحتوف تلوذ الدهور فمن سجد شممت ثراك فهب النسيم وحيث سنابك خيل الطغاة وطفت بقبرك طوف الخيال كأن يدأ من وراء الضريح تمد إلى عالم بالخنوع ويا أبن البطين بلا بطنة وأنـــت تسّيـــــــر ركــــــب

 

تنور بالأبلج الأروع روحاً ومن مسكها أضوع فذاً إلى الآن لم يشفع وبورك قبرك من مفزع على جانبيه ومن ركع نسيم الكرامة من بلقع جالت عليه ولم يخشع بصومعة الملهم المبدع حمراء مبتورة الاصبع والضيم في شرق مسترع و يا ابن الفتى الحاسر الأنزع الخلود ما تستجــــد لـــه يتـــبع

أما الشاعر الشهير عبدالرزاق عبدالواحد الذي له أكثر من قصيدة في الامام الحسين (عليه السلام) يقول بقصيدته «قدمت وعفوك عن مقدمي» ننقل منها بعض الأبيات:

قدمت وعفوك عن مقدمي قدمتُ لأحرم في رحبتيك فمذ كنت طفلاً رأيت الحسين ومذ كنت طفلاً عرفت الحسين سلام عليك فأنت السلام وأنت الدليل إلى الكبرياء وأنت معتصم الخائفين لقد قلت للنفس هذا طريقك وخضت وقد ظفر الموت ظفراً وما دار حولك بل أنتَ سلام عليك حبيب النبي حملت أعزّ صفات النبي وما دارت الشمس إلا وأنت سلام على آلكْ الحُومِ سلام على هالة ترتقى تهاوت فصاحة كل الرجال فراحت تزعزع عرش الضلال ولو كان للأرض بعضُ الحياء الست الذي قال للباترات فأين سيوفك من ذي الفقار لئن ضج من حولك الظالمون وأن خانك الصحب والأصفياء سأطبع ثغري على موطئيك علي علي الهدى والجهاد ويا اكرم الناس بعد النبي ملكـــت الحياتين دنيا وأخــــرى

 

حسيراً.. أسيراً.. كبيراً ضمي سلامٌ لمثواك من محرم مناراً إلى ضوئه أنتمي رضاعاً.. وللأن لم أفطم وإن كنتَ مختضباً بالدَمِ بما ديسَ من صدرك الأكرم يا من من الذبح لم يُعصمِ لاقي به الموت كي تسلمي فما فيه للروح من مخرَم ([16]) درت على الموت في زَرَد مُحكمِ وبرعُمهْ طبتَ من برعمِ وفزتَ بمعياره الأقومِ لألاؤها كالأخ التوأم حواليك في ذلك المضرم بلألائها مرتقى مريم ([17]) أمام تفجعها الملهمِ بصوت بأوجاعه مفعمِ لمادت باحرفها اليتمِ خذيني وللنفس لا تهزمي وأينك من ذلك الضيغم فإنا وكلنا إلى الأظلم فقد خاننا من له ننتمي سلامُ لارضك من مٍلثمِ عظمت لدى الله من سلمِ وجهاً وأغنى أمرئ معدمِ وليس فـــي بيتـــك مـــن درهمِ

ولا غروة في أن الشعر الحسيني الجم من كربلاء 61 هـ إلى هذا اليوم محرك قوي لا يفتر بل يقوى وتقوى شعلته بديمومته لا تبرد فتحرك الجماهير المسلوبة الحقوق والحريات.

هذا الحسين وثورته الجبارة لم يحرك المسلمين فقط ويذكى الصحوات هنا وهناك بل حتى غير المسلمين على مر التأريخ.

فذاك الشاعر الكبير مسيحي يوسف عبد المسيح بعبقاته «المأساة والأصداء» التي نشرت 1974م في مجلة الرابطة الأدبية في النجف الاشرف حيث يعبر فيها عن أحاسيسه وهو يقول تظل في وجدان الحسين معنى المعاني، لأنها تعني الشرف والرجولة والمروءة والنبل والكلمة التي زلزلت الظالم وحصنت الحرية وأسبغت على الإنسان إنسانيته... وذاك الفيلسوف غوته الألماني ، وما كتبه «بوشكين» وشعراء البلقان والملاحم المتعددة.

ماذا قال الشاعر الفذ السيد رضا الهندي في قصيدته الطويلة التي يبدأها بالغزل فيقول:

لم أنسه إذا قام فيهم خاطباً يدعو ألست أنا ابن بنت نبيكم هل جئت في دين النبي ببدعة أو لم يوص النبي بنا وأودع الـ أولم تدينوا بالمعاد فراجعوا فغدوا حيارى لا يرون لوعظه حتى إذا أسفت علوج أمية صلت على جسم الحسين سيوفهم ضمآن ذاب فؤاده من غلة لهفي لجسمك في الصعيد مجرداً لهفي لرأسك مسلوب القنا هذا ابن هـــند وهـــو شرامـــية

 

فإذا هم لا يملكون خطايا وملاذكم إن صرف دهرنايا أو كنت في أحكامه مرتابا ثقلين فيكم عترة وكتابا أحسابكم إن كنتم أعرابا إلاّ الأسنة والسهام جوابا أن لا ترى قلب النبي مصابا فغدا الساجدة الضبا محرابا لو حست الصخر الأصم كذابا عريان تكسوه الدماء ثيابا يكسوه من أنواره جلبابا مــــن آل أحمد يستــــذل رقابا

 

 

والى آخر القصيدة التي تصور بعض كلمات الامام الحسين (عليه السلام) وهو يعظ جيش يزيد بن معاوية بن ابي سفيان الأموي.

يندر من شعراء العربية من لم ينظم بالحسين (عليه السلام) وثورته ثورة الأحرار إذ يقول الشاعر المعروف الشيخ عبدالحسين الأعم من قصيدة طويلة، يصور فيها بعض الصور العاشورائية إذ يقول:

ولقد دعوه للعنا فأجابهم قست القلوب فلم تمل لهداية ماذاق طعم فراتهم حتى قضى يا اين النبي المصطفى ووصيه تبكيك عيني لا لأجل مثوبة تبتل منكم كربلا بدم أنت رزيتكم رزايانا وفجائع الأيام تبقى مدة وتــــزول لهفي لركب صرعوا فـــي كربـــلا

 

ودعاهم لهدى فردوا داعية تبأ لهاتيك القلوب القاسية عطشاً فغسل بالدماء القانية وأخا الزكي ابن البتول الزاكية لكتما عيني لأجلك باكية ولا تيتل مني بالدموع الجارية التي سلفت وهونت الرزايا الآتية وهــــي إلـــــى القيامة باقيـــة كانـــــت بـها آجالهم متدانيـــة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ولقد يعز على رسول الله أن تسبى نساه إلى يزيد الطاغية

ويرى حسيناً وهو قرة عينـــه            ورجالــه لــم تبق منه باقية

وجسومهم تحت السنابك بالعرى             ورؤسهــم فوق الرماح العالية

ويرى ديار أميـــة معمـــورة             وديار أهل البيــت منهم خالية

أنها عاشوراء التي أيقضت الأمة وبقيت سراجاً ومشعلاً للثائرين وهو ما قاله سيد الأنام محمد(ص) «إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة» وحقاً أن ثورته اينعت وأثمرت ولا تزال على طول التأريخ وحقاً ما قالها الامام الراحل الخميني (رحمه الله) «كل مالدينا من محرم وصفر».

 

خامساً: لماذا يخاف الطواغيت من ذكرى عاشوراء وإحيائها:

لو تصفحنا وبعجالة التأريخ لرأينا أن ذكرى عاشوراء التي هي ذكرى ثورة الحرية وحقوق الإنسان وثورة الكرامة والعزة يخافها الطواغيت بدء من بني أمية الذين أرادوا محوها بكل الوسائل ووصموا الامام الحسين (عليه السلام) وهو سبط الرسول وريحانته وولده وقرة عينه (صلى الله عليه وآله وسلم) وصموه وأهله بالخوارج والمارقين عن الإسلام ولم يتمكنوا من ذلك والذي يراجع الأحداث والتواريخ يجد ذلك حينما سبت السلطة الاموية الدموية بنات ونساء الرسالة ويدورون بهم بالبلدان بعد أن داسوا أجسام الشهداء بكربلاء بالخيل وقطعوا الرؤوس وهو عمل مخالف للإسلام.. حينما لم يتمكنوا من محو هذه الثورة الخالدة عمدوا إلى خلق الروايات والاحاديث الباطلة والتي يلوكها البعض إلى يومنا هذا من أن يوم عاشوراء يوم عيد للمسلمين وزعموا أن الرسول صام هذا اليوم كما صامته اليهود حيث أنشق البحر لموسى عليه السلام وكأن النبي (صلى الله عليه وآله ) يدين بدين اليهود وبعد الأمويين العباسيين الذين وصل الحال بهم إلى منع زوار قبر الحسين (ع) في كربلاء وقيام المتوكل العباسي بحرث القبر وفتح الماء عليه ليمحوه ولكن لم يستطع وزاد زوار الحسين(ع) فقام بأخذ الأتاوات على كل من يأتي لزيارة القبر الشريف بل وصل إلى قطع الأيدي ضريبة لمن يزور الحسين(ع) حتى ورد في شعارات زوار الحسين(ع) «لو قطعوا أرجلنا واليدين نأتيك زحفاً سيدي يا حسين» وما بعيد عنك قول الشريف الرضي وهو يرثي الحسين في القرن الرابع الهجري ويقول:

كربلا لا زلت كرباً وبلا مالقي عندك آل المصطفى كم على تريك لما صرعوا من دم سال ومن دمع جرى يا رسول الله لو عاينتهم وهم ما بين قتل وسبا لرأت عينان منهم منظراً للحشى شجو وللعين قذا ووجوه كالمصابيح فمن قمر غاب ونجم قد هوى قتلوه بعد علم من هُمو انه خامس أصحاب الكسا ليـــس هذا الــرسول الله يا أمة الطغيان والبغي جزا

إلى آخر القصيدة الطويلة التي ظل المسلمون ينشدوها على مر الزمان ومختلف المكان... ذلك لأن كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء.

وبعد العباسيين جاء دور العثمانيين المحتلين الذي أساءوا التصرف مع الأولياء والأئمة فمنعوا زيارة الأئمة من أهل البيت كما منعوا الشعائر الحسينية. وفي العصر الحديث، أيضاً قامت حكومة البعث العفلقي وبأوامر من صدام حسين بشن الهجمات واعتقال بل أعدام من يأتي لزيارة الأمام الامام الحسين ومنعوا الشعائر الحسينية بل وَضَرَبَ حسين كامل صهر صدام المعدوم القبة الذهبية وقبر الامام الحسين(ع) والأبنية بوابل من الرصاص والنار لا تزال آثاره لم تمحى إلى الآن وقتل الملايين في مقابره الجماعية.

كل ذلك خوفاً من هذه الثورة الجبارة التي أطاحت بعروش بني أمية وأشعلت الثورات والصحوات في ذلك الزمان... لقد أفاد الأحرار من ثورة الحسين (عليه السلام) ومن عاشوراء الشهادة ولكن الظلمة والطغاة يخافون منها وفي العراق تقوم حكومات البغي والطغيان بأعلان الأنذار الشديد في القوات العسكرية والأمنية ومنعت حتى الأطعام في هذه الأيام العاشورائية.

يخافون شعارات ثورة الحسين(ع) ويخافون الحماس الجماهيري المصاحب لذكرى عاشوراء.. ولكن عاشوراء تمتد كل عام لتشمل الكرة الأرضية من أجل أحيائها والتزود منها وما الإنتفاضات العارمة في الكثير من بلدان الإسلام إلا ثمرة هذه الثورة وثورة الإسلام بقيادة روح الله الموسوي الخميني (حمه الله تعالى.

 

المبحث الرابع

الصحوات الإسلامية والعالمية

لقد تفشى الظلم والطغيان في كل بقاع العالم نتيجة لفساد الأنظمة المعمول بها في العالم، وكذب الشعارات وما يرفعه الغرب من زيف ومكر ودعمه للأنظمة العربية الحاكمة وغير العربية من أجل الاستحواذ على الطاقة والنفط في العالم والسيطرة على شعوب هذه الدول وتوانى الحكام الظلمة في غيهم وباتوا مطمئنين من دفاع الاسياد لهم الذين ينهبون خيرات البلاد الإسلامية ويكذبون أنهم يدافعون عنها. بل وخلق الأزمات ومشكلات الحدود والتفرقة والحروب وبث الأفكار الهدامة والفساد من أجل تخدير الشعوب من جهة وتقوية الحاكم الظالم العميل من جهة أخرى ولكن نفذ صبر الشعوب وكفاهم ذلاً وأستسلاماً ، وانتشرت الثقافة الإسلامية في الآونة الأخيرة، وزاد الوعي الشعبي رغم كل قيود الدول العميلة وصرفها المليارات النفطية لثروة الشعوب في قمع شعوبها.

 

المطالب العادلة للصحوات تفضح أعداء الإنسانية

وهو ما تحقق والحمد لله إذ أن الصحوات التي انطلقت في الشمال الافريقي وبالضبط في تونس ثم مصر ثم اليمن والبحرين المظلومتين ثم ليبيا وغيرها في المظاهرات في سوريا والأردن مطالبة بالاصلاح وحتى في الأرض المحتلة سواء المسلمين أو اليهود ضد حكامهم ثم انتشرت في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية مصدر الشر وشدة الأزمة المالية الاقتصادية العارمة التي يتوقع أن تطيح بعرش الرأسمالية المقيتة كما أطاحت من قبل بالشيوعية السوفيتية.

لقد ثارت الشعوب وتلقت الرصاص بصدورها غير آبهة بكل شيء مقابل عزتها وكرامتها وحقوقها ولم تكن الصحوات كلاما مبهماً قابلاً للتأويل، بل هي حالة نهوض ووعي في عموم الأمة وكان للشخصيات الفكرية فاعلية ووجود شاحن كما في البحرين حيث يشترك علماء الدين الواعون وبشكل سلمي. . كانت ثورة الامام الحسين (عليه السلام) ماثلة للعيان بتضحياتها وشعاراتها وقوتها وصمودها وثباتها حيث انتصر الدم على السيف. فكما كان الامام الحسين بن علي (عليه السلام) يطالب بالاصلاح وتحكيم العدل وحقوق الأمة ودينها وعزتها... ها هي الجماهير اليوم تصحوا وتطرح تلك المطالب وكما أنّ ثورة الامام الحسين كشفت زيف السلطة الأموية الاستبدادية وكشف كذبها ومراوغتها ومظالمها المتفشية بسياسة حكامها وثراء النفعيين وانتشار الفقر واستضعاف الفقراء وكسر عامل الخوف وشوكته فإن الصحوات على طريق تلك الثورة العاشورائية في كل هذه الأمور حيث قدم الناس دماءهم فأنطلقت السنتهم ولم يعد الخوف موجوداً جوداً ويتقظت المشاعر وأبدى الناس تطلعاتهم فكانت الصحوات بركاناً ارعب الطغاة فأستحموا بأسيادهم من غضبة الشعوب الثائرة. التي كان التفاؤل يشدها كما كان قائد الثورة الإسلامية في إيران الامام الخميني متفائلاً بالنجاح رغم كل القوى العاتية بل كان يقول الامام الخميني (رحمه الله) «إننا إذ نعلن عن عزمنا على تصدير الثورة إلى كل الأقطار الإسلامية بل كل الاقطار التي يرزح فيها المستضعفون تحت نير المستبكرين.. أننا نريد من ذلك أن نحيي في الشعوب روح التحرك ضد المستكبر الفتاك ونردم هذه الهوة بين الشعب والحكم المسلط عليه.

 

الصحوات في الدول العربية

تمتاز الشعوب العربية على اختلاف دولها ان لديها مظالماً مشتركة متمثلة بالسلطان المتحكم في كل شؤون البلد وموجود اقتصاد ظالم والأنكى إعلام يطيل للحاكم المستقوي بالخارج على شعبه كما شاهدنا في البحرين كيف نزلت قوات حامي الحرمين ضد المسلمين العزل بأسلحتها وتجهيزاتها المرعبة والمرهبة والتي ما تحركت لحظة واحدة بأتجاه العدو الصهيوني الذي يعبث بأرض المقدسات في فلسطين لتقمع بحقد وطائفية مقيتة جموع الشعب البحريني الثائر سلمياً والأعزل حتى من الحجارة.

ثارت الشعوب وهي تتطلع لحكم رشيد وأقتصاد يكفل المعيشة للجميع والعدالة الاجتماعية والأمن والسلام والعزة الضائعة والمفقودة.. كانت ثورة العزة والكرامة المسلوبة، وكان النبض الإسلامي واضحاً فيها رغم كل القيود، كسرت هيبة السلطان الكاذبة لقد كانت الصحوات الإسلامية تمتاز.

1 – بخطابها السياسي العادل ومطالبها الواقعية المتنوعة نتيجة الحرمان والشقاء والمعاناة والاستعباد حيث يعاملهم الحاكم بجيشه المعد لهذا الغرض كالبهائم والعبيد. كما يقول المقبور القذافي في وصفه للثوار بالجرذان، بعد ان خدم امريكا والصهيونية وقتل الآلاف في مقابر جماعية ومن جرائمه تغيبه الامام موسى الصدر ورفيقيه بكذبه ومكره وأوامر أسياده الذين قتلوه شر قتله.

2- الهدوء والسلمية المتناهية وهو عمل حضاري جدا رغم مجابهة الحاكم الفاسد بزبانيته وبلطجيته لخوفه كما حدث في مصر والبحرين والقطيف بالحجاز وحتى في تونس والأردن وكذلك الجزائر.

3- أمتازت الثورات العربية بطرح الشعارات الإسلامية لرجوع الشعب إلى جذره الإسلامي وهي عين الشعارات التي رفعها الحسين (عليه السلام) في عاشوراء ضد الذل والاستسلام وطلباً في الاصلاح والتغيير.

4- الثبات والنفس الطويل وعدم الاطمئنان لوعود الحاكم الماكر الذي عاث فساداً رغم كل الصعوبات والسجون وفصل من العمل وهتك الحرمات وحتى هدم المساجد ودور العبادة والمقابر كما حدث في البحرين من قبل قبيلة آل خليفة الحاكمة والمتسلطة منذ اكثر من مائتين سنة.

5- التخطيط الرائع والمنظم للصحوات والحفاظ على الأرواح والممتلكات العامة والخاصة وهي ظاهرة حضارية إسلامية.

6- استحماء كل الجبابرة واللجوء إلى الأسياد ووكلائه وإلا لماذا يؤمن الطواغيت في السعودية وتعلو المطالبة بالدفاع عن طاغية مصر وإعفائه من المحاكمة.

7- امتازت كل الصحوات بالانتماء الفكري والعقائدي للإسلام وعدم قبول غيره وبالشعار الثوري أيضاً.

8- كذلك امتازت الثورات والصحوات الإسلامية على الخصوص بأنعتاقها من الخوف وكسر هذا الحاجز الرهيب ووحدة الارادة الشعبية وسلميتها، رغم جرها من قبل الحاكم للعنف ليكون له مبرر لضربها.

9- من المؤسف وقف الجيش قامعاً للصحوات ولا يزال في بلدان الصحوة في مصر واليمن والبحرين وغيرها.

10- كانت التهم الموجهة من قبل الحكام المستبدة تقريباً متشابهة.

11- من المؤسف دخول دول التعاون الخليجي بقوة لحماية السلاطين وتباكت على الديمقراطية في بعضها وتنكرت لغيرها في حين لا يوجد فيها أي مظهر من مظاهر الديمقراطية . وموقفها بالبحرين نفاقي ظالم.

 

نجاح الصحوات وعنصر الوحدة الإسلامية

من البديهي ان الوحدة الإسلامية، بل لنقل الوحدة الإنسانية إذا ما عرفنا ان كل بني الإنسان هم يرجعون ألى وحدة المنشأ وهو التراب الذي خلقوا منه» وكذلك النشأة الأولى أنهم من أب وأم واحدة وهو ما يتفق عليه كل العالم الديني وغير الديني الذين يرجعون نشأة الإنسان إلى خلية واحدة، وجاءت جميع الأديان لتنادي بالوحدة على أسس قوية وإنسانية تتمثل بالتوحيد والعدل وهي رسالة جميع الأنبياء.

وإذ أخذنا بنظر الأعتبار أن الوحدة مصدرها العقل الإنساني المجرد فالعقل الراجح لا يقبل عن الوحدة خلافها.. ولهذا فإن المشكلة الأساسية في إيجاد الفرقة والتمزق والتباعد والتباغض هو الجهل.. حتى قال الحكماء أنّ من يرفض الوحدة يشك في كمال عقله مهما كانت الأسباب.. لأن الله خلق الإنسان وشرفه على بقية مخلوقاته بالعقل. ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم بالبر والبحر...﴾.

فكرم الله عبده الإنسان بالعقل، وبدونه لا ينتظم الوجود الإنساني ولا يحقق مصالحه الطبيعية الصالحة والنافعة له كإنسان فيأتي الشيطان ليهدم عنده سوء التفكير ومهارة احترام الغير ويزخرف له أفكاره بما يتنافى مع العقل الإنساني المجرد أولاً فيحسب الجهل عقلاً ومصلحة ليعمق الفرقة التي لا فائدة فيها البته سوى العداء والحقد والأنانية بعيداً عن المثل الإنسانية التي بها يبنى المجتمع الصالح وعليها تعتمد المرتكزات الحقيقية لوحدة كل أمة.

وحينما نقرأ رسالات السماء عامة ورسالة الإسلام خاصة نجد أن الله خلق الكثير من المشتركات بين بني البشر بدء من المنظومة الأصغر من بني البشر والأديان حيث تتكاثف هذه المشتركات وهو ما جاء على لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في عهده الخالد لواليه على مصر مالك بن الحارث النخعي المعروف بالأشتر حينما يخاطبه قائلا «وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكوننَّ عليهم سبعا ضارياً تغتنم أكلهم فأنهم صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق...» (نهج البلاغة كتاب 53) الذي يعتبر بحق قانوناً للإنسان جمعاء، وبالمناسبة نجد أن مفتي مصر الأعظم الشيخ على جمعة صرح بأن كتاب الإمام علي (عليه السلام) هذا يصلح ليكون دستوراً لدولة مصر وهذه المشتركات نجدها عند المسلمين على أختلافهم واسعة جداً وهي أكثر بكثير من عوامل الفرقة وتعتمد على الجوانب العقائدية التي وحدت المسلمين حتى وصلوا الصين شرقاً وأوربا غرباً دون تفرقة معتمدة إسس العقيدة التوحيدية الواحدة بأيمانها بخالقها جل جلاله ونبوة رسول الله الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) وكتابه الذي أنزل عليه «القرآن الكريم» وبالمعاد الذي لا أنكار فيه أبدا. فماذا بقيّ للفرقة وكيف حدثت الفرقة التي جلبتها السياسة وحب السلطة المتجاوزة على الحق وحقوق الآخرين وعلى الظلم والأبتعاد عن نظام رب العالمين.

إنّها الوحدة التي أمر بها القرآن الكريم الذي به وحدَّ الرسول الأعظم محمد جزيرة العرب كما يشهد القرآن العزيز بذلك ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾.

والصحوة الإسلامية في بلاد الإسلام يعتمد نجاحها على الوحدة وتآلف القلوب والنوايا لا غير فيها النصر والعزة والتحدي.. وبالوحدة تتحقق الأهداف والمطالب وبالوحدة ينخذل العدو وأعوانه بلا دون ريب وكلنا يعلم ماذا يفعل الأعداء وكيف ينشطون ضد الثورات العربية الإسلامية التي ترعبهم الثورة ولم يجرأوا أن يقولوها فكان رئيس أمريكا الحالي باراك أوباما أن وصف هذه الثورات بالربيع العربي ومنه تناقلتها وسائل الاعلام المختلفة.

وليس من نافلة القول أوكدها شفافة لا لبس فيها ولا غبش أنّ الوحدة هي السبيل الوحيد التي تجمع الجميع من كل المذاهب والأديان والقوميات لتكون جداراً صلباً تتحطم عليه كل دسائس أعداء الصحوات وتفل كل أحابيلهم ومكرهم، حيث ينشطون الآن من وكلاء الدول الاستكبارية في المنطقة وبأموال الشعوب وعائدات نفطهم بدعوى الحفاظ على عروشهم الهزيلة الخاوية المائلة للسقوط التي هرمت ولم يعد لها من قيام.. أنهم أتحدوا من أجل بقاء هذه العروش المسيرة بقوى الاستكبار الأمريكي الأوربي الأعمى المخاتل الكذاب رغم الفرقة العميقة بينهم والكره والحسد الذي يملأ قلوبهم والنزاعات المشتعلة بينهم وأجل مصالحهم.

هذه الحقائق لابد أن تكون جزءاً من ثقافة الصحوة وفكرها ومسيرتها المظفرة الثابتة.

الصحوة التي انطلقت من الأحساس بالضيم والذل والحرمان لم تكن ثورة الخبز والعيش بل صحوة العزّة والكرامة وطلب الحقوق وإعمال الإرادة وايقاف النهب والتكبر والغرور الملكي والأميري والرئاسي. فهذه قائمة على الكذب والظلم والجور ومعصية الخالق العظيم ، وما بني على ذلك فهو هار هار لا محال. ونعم شعار الصحوة في البحرين الأبية والصحوات الأخرى «لا نركع إلا لله» فبالوحدة والثبات والصمود تنتصر الصحوة وتثمر الثورة.

 

امتداد الصحوات الإسلامية للغرب وامريكا

الصحوة عملية طبيعية ووقفة عند المفترق الطرق، حينما يشعر الإنسان أنه في ضيق تماماً، هل يبقى يُقتل؟ هل يبقى يُغدر؟ هل يبقى منهوباً؟ هل يبقى مسلوب الحرية والكلام والمال وتنتهك حرماته نهار مساء؟ هل يبقى محكوماً دون أن يكون له رأي هل يبقى فقيراً وتأكله الوحوش؟ بطبيعة الحال كل هذا لا . وألف لا لكل عاقل فكر قليلاً وراعى مصالحه على أقل تقدير.

في أمريكا لا توجد حرية فالذي يطالب بها يقيد بالحديد ويضرب بالدخان المسيل للدموع والرصاص. لا أقول ممنوع الرقص والشراب والعمل بالشارع كل شيء؟ بل أقصد ما يؤثر على أصحاب المصالح والمغتصبين، وعلى النظام الفاسد الذي يفيد منه رواد المال ومديريه.

لقد انطلقت المظاهرات العارمة في أمريكا وأوربا ومن بارك (حديقة) صغيرة في حي الأعمال في مانهاش وأستمرت تحت شعار إنساني بكامل الأحساس يقول «الديمقراطية وليس حكم الأثرياء» و«وول ستريت تحتل حكومتنا فلنحتل وول ستريت» نعم هذا ما حدث واشتعل حينما أحس الفقير في أمريكا بمظلوميته وأحس في عقم النظام الذي يحكمه فقد قيل: أن البعض يسعى إلى المال لكي يستحوذ على السلطة والقرار السياسي والنفوذ، والآخر يسعى إلى السلطة للحصول على أموال طائلة» وهي حقيقة لا تخلو من صحة. حيث أن أمريكا تحكم من قبل الأثرياء والشركات والكارتيلات اليهودية وأموال الصهيونية وإلا هل هناك من لا يعرف بظلم الفلسطيني ومظلوميته؟ هل هناك من لا يفهم تجاوز أمريكا على بقاع النفوذ والثروات الطبيعية في العالم؟ وهي تدور بأساطيلها العسكرية ومئات القواعد العسكرية الموزعة في العالم شرقاً وغرباً وتقتل الأبرياء في كل مكان بلا رادع من عقل أو ضمير يؤنب على ذلك بمباركات القرود والغربان في تلك المناطق، أي من دول الخليج الفارسي من لا يوجد فيها قاعدة عسكرية أو أكثر لأمريكا، ماذا تعمل هذه ولماذا تحتل المنطقة بجبروتها، بل بعملائها الحاكمين؟ الذين يوزعوا الحرية وهم لا يملكوها.

تشير أن الأحصاءات أن في أمريكا (400) شخص يملكون نصف الثروة و(300) مليون أمريكي يكتفون بالنصف الآخر!!! أو بما يعبر عنه بنظرية 20/80 أي أن 20% من الشعب تملك 80% من الثروات و20% من الثروات (80% من الشعب. لهذا وذاك وكثرة الظلم فقد أصدرت حركة وول ستريت وهو المكان والشارع الذي يمتلك هذه الأموال المأخوذة من الشعب، نعم أصدرت بيانا يطالب ويريد:

1 – اغلقوا القواعد العسكرية في العالم

2- أعملوا للاصلاحات في النظام القضائي.

3- امنعوا استعمال القوة والقمع اللاإنساني.

4- أعملوا لكبح الفساد. والمقصود به كبح الفساد بين السياسيين.. ولذا عبر البعض عن هذه الحالة «بالربيع الأمريكي» أو «الربيع الأوربي» لأصلاح النظام الاقتصادي.

هذه المظاهرات والصحوات الأمريكية والأوربية لم تأت من فراغ بل من ظلم فاضح. أنهم يريدون لأمريكا قوية ماليا متوازنة أجتماعياً ومستقرة سياسياً.

فالنفس الإنسانية واحدة تتحرك بما يديرها من عقل أو من جشع، فسياسة أمريكا بالعراق اعتمدت على فرض الفوضى والتي عبر عنها بالفوضى الخلاقة حينما جاء بريمر وهو من موظفي الشركات الخاصة والمرتزقة الذين وظفوا للسطو على العراق ونشر الفوضى الخلاقة والصدمة والترويع في كل المدن العراقية وفي كل قرية وبسرعة وفعالية رهيبة في القتل والأبادة والتهجير والتطهير الطائفي والسيطرة على نفط العراق «9» سنوات ليذهب إلى «ألاسكا» مكان الأحتياطي الستراتيجي النفطي الأمريكي، هذه أمريكا المحتلة ونظامها المنبوذ تبني سفارة في قلب بغداد تقوم على 30 هكتار وتعين مستشاراً أعلى من الوزير في كل وزارة ينظمون العمل ويديروها مباشرة، كما عملوا على احصاء معلوماتي كامل للشعب العراقي بما فيه البصمات وصور تعريف العين والتلاعب بالممتلكات العراقية ومنح الجنسية العراقية لمن تريد في خرق تام للقانون الدولي «كما يسمى» وتوظيف طبقة سياسية عراقية تختلف سابقتها فتتلقى أوامرها من موظفي الشركات الخاصة وقد بان ذلك عندما استنجد بعضهم بأمريكا لتعود إلى العراق تحميهم من ظلمهم وقد عملت امريكا على أيجاد أدوات من أجل تفتيت العراق وتقسيمه عرقيا وطائفيا هذا النظام الامريكي الذي وصفه الامام الخميني الراحل (رحمه الله) بالشيطان الأكبر ونعم الوصف هذا. الآن يعاني هذا النظام من رفضه من قبل أهله وشعب أمريكا الذي لا يزال صامداً كما هو الحال في دول أوربا المتعددة التي رفضته وترفض النظام الجائر.

والأنكى من ذلك هو التعتيم الأعلامي الشديد في وسائل الإعلام حتى وصفت بعض وسائل الإعلام هذا التعتيم بأنه مخجل سيما وأنّه مقترن بوحشية الشرطة المفرطة لدعاة الديمقراطية وممن جعلوا الحرية المفرطة للأغنياء والتفاوت المفرط بالدخل.

 

خامسا: لا رجعة للصحوات عن أهدافها

إنّ الصحوات المباركة في حقها ومطالبها لم تثر وتنطلق من فورة سرعان ما تجف، بل انطلقت من معاناة تاريخية متراكمة وضمير استيقظ بعد سبات عميق استمر عشرات السنين، وأنطلق بقوة خارقة نحو أهدافها. من ينكر أن شعباً كالشعب البحريني المظلوم الصابر الذي أنتفض مرات وطالب مرات ولم يستجب له أن ينطلق هذه المرة بأنطلاقته التي استمرت قرابة عام ولا تزال وستستمر حتى تحقيق مطالبه العادلة رغم كل التحالف الطاغوتي في المنطقة وخارجها من دول ما تسمى بالديمقراطية لقتل هذا الشعب الذي لم يرفع سوى يده العزلاء ليهتف بها الشعب يريد اصلاح النظام أو تغيره. وقوبل بالنار والحديد ليسقط اكثر من خمسين شهيداً من شعب لا يتجاوز مئات الآلاف من البشر وآلاف من الجرحى والسجناء على أيدي مرتزقة جاءوا من وراء الجزيرة البحرينية ومنهم من عبر الجسر السعودي البحريني بقوات مدججة وكأنها تذهب إلى أسرائيل. ولكن هيهات جاءت لتقتل الشعوب الثائرة على ظلمها وهيمنتها المستديمة خوفا من وصولها إليها وهو ما حدث بالفعل حيث النار تشتعل في القطيف وشرق البلاد على أمل أن تعم البلاد كاملة وهي تنادي لن نركع إلا لله.

إن الشعوب الثائرة والتي في طريقها للثورة حتى تستعر النار فيها سوف لن تكل ولن تمل مادامت حلاوة النصر أعلى من مرارة أساليب الطغاة. هل يصدق أحد أن تنطفي جذوة الصحوة في اليمن التي حاول أحتواءها الجيران والأمريكان وهم لن يتمكنوا إلى الآن رقم قتل الآلاف وتعطل الأعمال؟ هذه الثورة الجبارة لا تطالب إلا بحقوقها وحسب وهي ترفع شعارات الإسلام العزّة والكرامة والقصاص من المجرمين الذين يحكمون بأجندات أمريكا وأوربا ويهدرون أموال الشعب دون رحمة إنه المارد الجبار العنيد أنطلق بإرادة كاملة وتصميم صادق أنه لابد من الصمود حتى تحقيق المطالب. وطول المدة أو قصرها لا يهم إلا بكثرة التضحيات وتقديم القرابين.

إن الصحوات التي أتخذت تعاليم القرآن الكريم وسيرة الثوار المسلمين بدء بثورة عاشوراء وأصحاب النبي الأمين والوصي العادل علي بن أبي طالب والخلفاء الراشدين (عليهم السلام) لن تستكين إلا بالنصر والنصر المؤزر مهما تشيطن الحكام. الفكر الإسلامي والثوري العاشورائي هو المحور الأساس لحركة الثورة منذ بعثة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.. لقد تخرج الثوار والعباقرة من هذه المدرسة، فالحسين بن علي سيد الشهداء تخرج من مدرسة القرآن الكريم حيث القرآن هو المطر الذي يحيى النفوس والعقول.

ولا ننسى الاصحاب ميثم التمار حجر بن عدي سليمان بن صرد الخزاعي والمختار الثقفي ورشيد الهجري والعشرات بل المئات الذين فجروا صحوات أرعبت الطغاة والجبابرة سراق الحقوق ومنتهكي الحرمات.

وقبل أن أختم أقول أن الصحوات ستبقى لا تخمد حتى أنتصارها وصدق الكريم بقوله: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ وما النصر إلا من عند الله عليه توكلنا وإليه المثاب.

 

([1])راجع داعية وليس نبياً – الداعية

اعية الوهابي السعودي علوان المالكي طبع عمان.

([2]) 72 جندي مقابل 34 ألف جندي عدو بكامل العدة والعدد والطعام يلويهم العطش.

([3]) ابو الشهداء الحسين بن علي/ عباس محمود العقاد ص 32 - 33.

([4]) العقاد عن الأغاني 20 - 102 وكامل الزيارات 203 – 205، وأمالي الصدوق ص 112.

([5]) الخطط المقريزي ح – 436 - 437.

([6]) الامام الحسين للعلايلي ص 557.

([7]) الحسين لتوفيق ابو علم ص 8.

([8]) الحسين ثائراً شهيداً. عبد الرحمن الشرقاوي / ص 23 .

([9]) الحسين في الفكر المسيحي ص 65.

([10]) ابو الشهداء الحسين بن علي ، العقاد ص 11 عن مقدمة لكتاب الشرقاوي.

([11]) الكتاب ص 152- 153.

([12]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8/190.

([13]) ابو الشهداء الحسين ـ العقاد ص 36. عن الملحمة الحسينية هربرت سينر ـ 32 – ص 66.

([14]) ابو الشهداء الحسين مصدر سابق ص 273 عن الكامل في التاريخ 3/ 323 – 324 .

([15]) ابو الشهداء الحسن بن علي ـ عباس محمود العقاد ص 186 عن البداية والنهاية 8/172- 173 والكامل للمبرد 3/280 – 281 وتأريخ ابي مخنف 1/442- 443.

([16]) يصور الشاعر أن الموت يمسك بالناس والامام الحسين هو أمسك بالموت.

([17]) ويقصد بها الشاعر السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب (عليها السلام).