أعـلام النبوة

الباب السابع عشر ـ فيما هجست به النفوس من إلهام العقول بنبوته عليه السلام .
العقل إلهي ركبه الله تعالى في النفوس الناطقة فهو ينذر بالخواص الكائنة حدسا و يعلم بعد الوجود حسا فقل حادث إلا تقدم نذيره و بحسب خاطره يكون تأثيره و لا حادث أعظم مما جدده الله تعالى بنبوة محمد صلى الله تعالى عليه و سلم فاقتضى أن تكون بشائر نبوته أشهر و شواهد آياته أظهر .
هاجس كعب بن لؤي : .
فمن الهواجس نبوته : أن كعب بن لؤي بن غالب كان يجمع إليه الناس في كل جمعة و كان يوم الجمعة و كان يخطب فيه الناس و يقول بعد خطبته : حرمكم عظموه و تمسكوا به فسيأتي له نبأ عظيم و سيخرج به النبي كريم و الله لو كنت فيه ذا سمع و بصر و يد و رجل لنصبت تنصب الخيل و لأرقلت إرقال الفحل ثم يقول : .
( يا ليتني شاهد فحواء دعوته ... حين العشيرة تبغي الحق خذلانا ) .
هاجس أبو كريب الحميري : .
و من هواجس الإلهام : ما حكاه ابن قتيبة أن أبا كريب بن أسعد الحميري آمن بالنبي صلى الله تعالى عليه و سلم قبل أن يبعث بسبعمائة سنة و قال : .
( شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم ) .
( فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له و ابن عم ) .
هاجس تبع الأصغر : .
و من هواجس الإلهام : ما حكاه عبيد الجرهمي و كان كبير السن عالما بأخبار الأمم : أن تبعا الأصغر و هو تبع بن حسان بن تبع سائر بيثرب فنزل في سفح أحد و ذهب إلى اليهود فقتل منهم ثلاثمائة و خمسين رجلا صبرا و أراد خرابها فقام إليه رجل من اليهود كبير السن فقال : .
أيها الملك مثلك لا يقتل على الغضب و لا يقبل قول الزور أمرك أعظم من أن يطير بك برق أو تسرع بك لجاج فإنك لا تستطيع أن تخرب هذه .
قال : و لم ؟ قال : لأنها مهاجر نبي من ولد إسماعيل يخرج من هذه الثنية يعني البيت الحرام .
فكف تبع و مضى إلى مكة و معه هذا اليهودي و رجل آخر عالم من اليهود فكسا البيت و نحر عنده ستة آلاف جزور و أطعم الناس و قال : .
( قد كسونا البيت الذي حرم الله ... ملاء معضدا و برودا ) .
و قيل إنه ملك ثلاثمائة و عشرين سنة .
هاجس في مكة يوم مولد النبي : .
و من هواجس الإلهام : ما روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : كان يهودي يسكن مكة فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم حضر مجلس قريش فقال يا معشر قريش : هل ولد فيكم الليلة مولود ؟ فقال القوم : و الله ما نعلم قال : الله أكبر أما إذا أخطأكم فلا بأس انظروا و احفظوا ما أقول لكم و لد في هذه الليلة نبي بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنها عرف وثن فتسارع القوم عن مجلسهم و هم متعجبون من قوله .
فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله فقالوا : ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا : فانطلق القوم إلى اليهودي فأخبروه فقال : اذهبوا بي حتى أنظر إليه فأدخلوه على آمنة قالوا : اخرجي إلينا ابنك فأخرجته و كشفوا عن ظهره فرأى اليهودي تلك الشامة فوقع مغشيا عليه فلما أفاق فقالوا له : مالك ؟ قال : ذهبت و الله النبوة من بني إسرائيل يا معشر قريش و الله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق إلى المغرب .
و كان في القوم الذين أخبرهم اليهودي بذلك هشام بن المغيرة و الوليد بن المغيرة و عبيد بن الحرث بن عبد المطلب و عتبة بن ربيعة فعصمه الله تعالى منهم .
هاجس سمعته خديجة بنت خويلد : .
و مثله : أنه كان لقريش في الجاهلية عيد يجتمه فيه النساء دون الرجال فاجتمعن فيه فوقف عليهن يهودي و فيهن خديجة فقال لهن : يا معشر نساء قريش يوشك أن يبعث فيكن نبي فأيكن استطاعت أن تكون له أرضا فلتفعل فحصبنه و وقر ذلك في نفس خديجة حتى حققه الله لها فكانت أول من آمن به .
هاجس تاجر نصراني قدم مكة : .
و مثله : أن جماعة من النصارى قدموا من الشام تجارا إلى مكة فنزلوا بين الصفا و المروة فرأوه و هو ابن سبع سنين فعرفه بعضهم بصفته من كتبهم و سمته في فراستهم فقال له : من أنت و ابن من أنت ؟ .
فقال : أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب فقال له : من رب هذه ؟ و أشار إلى الجبال .
فقال : الله ربها لا شريك له .
فقال له : من رب هذه ؟ و أشار إلى السماء .
فقال : الله ربها لا شريك له فقال له النصراني : فهل لها رب غيره ؟ فقال : لاتشككني في الله ما له شريك و لا ضد فقام بالتوحيد في صغره و فصح النصراني يخبره و أنذر بنبوته .
هاجس ظهر في مكة و بصرى : .
و مثله : أنه كان في كفالة جده عبد المطلب و كان أحب إليه من جميع أولاده فلما حضرته الوفاة وصى به عمه أبي طالب لأنه كان أخا عبد الله لأبيه و أمه و أنشأ يقول : .
( وصيت من كنيته بطالب ... عبد مناف و هو ذو تجارب ) .
( يا ابن الحبيب أكرم الأقارب ... يا ابن الذي مذ غاب غير آيب ) .
فتقبل أبو طالب الوصية و كان قد سمع من راهب إنذارا فأنشأ يقول : .
( لا توصين بلازم و واجب ... فلست بالآنس غير الراهب ) .
( بأن حمد الله قول الراهب ... إني سمعت أعجب العجائب ) .
( من كل حبر عالم و كاتب ) .
و مات عبد المطلب بعد ثماني سنين من مولده فتكفله عمه أبو طالب و خرج به إلى الشام في تجارة له و هو ابن تسع سنين فنزل تحت صومعة بالشام و كان عند بصرى و كان في الصومعة راهب يقال له بحيرا قرأ كتب أهل الكتاب و عرف ما فيها من الأنباء و الأمارات .
فرأى بحيرا من صومعته غمامة قد أظلت رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم من الشمس فنزل إليه و جعل يتفقد جسده حتى رأى خاتم النبوة بين كتفيه و سأله عن حاله في منامه و يقظته فأخبره بها فوافقت ما عنده في الكتب و سأل أبا طالب عنه فقال ابني فقال : كلا فقال ابن أخي مات أبوه و هو حمل قال : صدقت و عمل لهم و لمن معهم طعاما لم يكن يعمله لهم من قبل و قال : احفظوا هذا من اليهود و النصارى فإنه سيد العالمين و سيبعث نبيا إليهم أجمعين و إن عرفوه معكم قتلوه فقالوا : كيف عرفت هذا ؟ قال : السحابة التي أظلته و رأيت خاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة على النعت المذكور و رأيت المدر و الشجر يسجدان له و لا يسجدان إلا لنبي .
و جاء رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم و كان في رعيه الإبل قد سبقه القوم إلى ظل شجرة فلما جلس مال ظل الشجرة عليه فقال لهم : هذا من آيات نبوته و إن الروم إن رأوه عرفوه بصفته فيقتلوه ثم التفت فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم و قال ما جاء بكم قالوا : جئنا لأن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث فيه ناس و نحن آخر من بعث إلى طريقك هذا فقال لهم : هل خلفتم خلفكم أحدا هو خير منكم ؟ قالوا : لا قال : أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده ؟ قالوا : لا قال : فارجعوا فتابعوه على الرجوع و زودهم الراهب حتى أسرع به أبو طالب .
فكانت هذه البشائر من رهبان النصارى و ما تقدم من أخبار اليهود و قد توارد عليها جميعهم مع اختلاف معتقدهم و تغاير كتبهم من أوائل الشهود على تعيين النبوة فيه إما عن كتب نعت فيها فأصابوه على النعت فكان إنذارا إلهيا تواردت عليه الخواطر لأن ما هجست به النفوس من أمر كان و ما تخيلته العقول ظهر وبان لأن القلوب طلائع الأقدار و العقول مرايا الأسرار .
هاجس سيف بن ذي يزن : .
و من هواجس الإلهام : ما حدثنا أبو الحسن محمد بن علي بن محفل C قال : حدثنا عمر بن حماد الفقيه قال : حدثنا عمر بن محمد ابن بحير السمرقندي قال : حدثنا أحمد بن عبد ربه الضبي قال : أخبرنا عبد الرحمن بن نوح بن عبيد قال : حدثنا عمر بن بكير قال : حدثني أحمد بن القاسم عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رحمة الله عليه قال : لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة و ذلك بعد مولد النبي صلى الله تعالى عليه و سلم بسنين أتى وفود العرب و أشرافها و شعراؤها لتهنئته و مدحه و ذكر ما كان من بلائه و طلبه بثأر قومه فأتاه وفد قريش و فيهم عبد المطلب بن هاشم و أمية بن عبد شمس و عبد الله بن جدعان و أسد بن خويلد بن عبد العزى في ناس من أشراف قريش فلما قدموا عليه إذ هو في رأس قصر يقال له غمدان و هو الذي يقول فيه أمية بن أبي الصلت : .
( اشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا ... في رأس غمدان دار منك محلال ) .
قال فاستأذنوا عليه فأذن لهم فدخلوا عليه فإذا الملك مضمخ بالعنبر يرى و بيص الطيب من مفرقه عليه بردان متزر بأحدهما مرتد بالآخر سيفه بين يديه و عن يمينه و عن يساره الملوك و أبناء الملوك و المقاول قال : فدنا عبد المطلب و استأذن في الكلام .
فقال : إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فتكلم فقد أذنا لك فقال عبد المطلب : إن الله أحلك أيها الملك محلا رفيعا صعبا منيعا شامخا باذخا و أنبتك منبتا طابت أرومته و عزت جرثومته و ثبت أصله و بسق فرعه في أكرم موطن و أطيب معدن و أنت أبيت اللعن ملك العرب و ربيعها الذي يخصب به وأنت أيها الملك رأس العرب الذي إليه تنقاد و عمودها الذي عليه العماد و معلقها الذي تلجأإليه العباد سلفك خير سلف و أنت لنا منهم خير خلف فلن يخمل ذكر من أنت سلفه و لن يهلك من أنت خلفه و نحن أيها الملك أهل حرم الله و سدنة بيته أشخصنا إليك الذي أبهجنا لكشف الكرب الذي فدحنا فنحن وفد التهنئة لا وفد التعزية .
فقال ابن ذي يزن : فأيهم أنت أيها المتكلم ؟ فقال : أنا عبد المطلب بن هاشم قال : ابن اختنا ؟ قال : نعم ابن أختكم قال : ادن فأدناه على القوم وعليه فقال : مرحبا و أهلا و ناقة و رحلا و مستناخا سهلا و ملكا ربحلا يعطي عطاء جزلا قد سمع الملك مقالتكم و عرف قرابتكم و قبل وسيلتكم فأنتم أهل الليل و و أهل النهار لكم الكرامة ما أقمتم و الحباء إذا ظعنتم قال : ثم استنهضوا إلى دار الضيافة و الوفود فأقاموا شهرا لا يصلون إليه و لا يأذن لهم بالانصراف .
قال : ثم انتبه انتباهه فأرسل إلى عبد المطلب فأعلاه و أدنى مجلسه و قال : يا عبد المطلب إني مفوض إليك من سر علمي ما لو كان غيرك لم أبح له و لكن رأيتك معدنه و أطلعتك عليه فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه فإن الله بالغ فيه أمره إني أجد في الكتاب المكنون و العلم المخزون الذي اخترناه لأنفسنا و احتجبناه دون غيره خبرا عظيما و خطرا جسيما فيه شرف الحياة و فضيلة الوفاة للناس عامة و لرهطك كافة و لك خاصة .
قال عبد المطلب : أيها الملك فمثلك من سر وبر فما هو فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر قال : إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة كانت له الإمامة و لكم به الزعامة إلى يوم القيامة فقال له عبد المطلب : أبيت اللعن لقد أتيت بخبر ما أتى بمثله وافد فلولا هيبة الملك و إجلاله و إعظامه لسألته من بشارته إياي ما ازداد به سرورا قال ابن ذي يزن هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد اسمه أحمد يموت أبوه و أمه و كفله جده و عمه قد ولدناه مرارا و الله باعثه جهارا و جاعل منا له أنصارا يعز بهم أولياءه و يذل بهم أعداءه يضرب بهم الناس عن عرض و يستفتح بهم كرائم الأرض يكسر الأوثان و يخمد النيران و يعبد الرحمن و يدحر الشيطان قوله فصل و حكمه عدل يأمر بالمعروف و يفعله و ينهى عن المنكر و يبطله .
قال عبد المطلب : أيها الملك عز جدك و علا عقبك و طاب ملكك و طال عمرك فهل الملك ساري بإفصاح فقد أوضح بعض الإيضاح .
فقال : ابن ذي يزن : و البيت ذي الحجب و العلامات على النصب إنك يا عبد المطلب لجده غير الكذب .
قال فخر عبد المطلب ساجدا فقال ابن ذي يزن : ارفع رأسك ثلج صدرك و علا أمرك فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك ؟ .
فقال : نعم أيها الملك كان لي ابن و كنت به معجبا رفيقا فزوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف فأتت بغلام سميته محمدا مات أبوه و أمه و كفلته أنا و عمه بين كتفيه شامة و فيه كما ذكرت من علامة .
قال ابن ذي يزن : إن الذي قلت لك لكما قلت لك فاحتفظ بابنك و احذر عليه من اليهود فإنهم له أعداء و لن يجعل الله لهم عليه سبيلا فاطو ما ذكرته دون هؤلاء الرهط الذين معك فإني لست آمن أن يداخلهم النفاسة و من أن تكون لك الرياسة فيبغون له الغوائل و ينصبون له الحبائل و هم فاعلون و أبناؤهم و لولا أني أعلم أن الموت يجتاحني قبل مبعثه لسرت بخيلي و رجلي حتى أصير بيثرب دار ملكي فإني أجد في الكتاب الناطق و العلم السابق أن يثرب استحكام أمره و أهل نصرته و موضع قبره و لولا أني أقيه الآيات و أحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه ذكره و أوطيت أسنان العرب عقبه و لكني صارف ذلك إليك بغير تقصير ممن معك .
ثم أمر لكل رجل عن القوم بعشرة أعبد و عشرة إماء سود و حلتين من حلل البرود و خمسة أرطال ذهب و عشرة أرطال فضة و كرش مملوءة عنبرا و لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك .
و قال له إذا حال الحول فائتني بأمره و ما يكون من خبره قال فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول قال فكان عبد المطلب كثيرا يقول : يا معشر قريش لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك و إن كان كثيرا فإنه إلى نفاد و لكن ليغبطني بما يبقى لي و لعقبي ذكره و فخره و شرفه فإذا قيل له : و ما ذاك ؟ قال : ستعلمون ما أقول لكم و لو بعد حين .
هاجس خديجة زوج النبي عليه السلام : و من هواجس الإلهام : إنه نشأ في قريش على أحسن هدى و طريقة و أشرف خلق و طبيعة و أصدق لسان و لهجة حتى سمته قريش في حداثته الأمين تأسيسا لما سيكون .
و كانت خديجة بنت خويلد ذات شرف و يسار و كان لها متاجر و مضاربات فلما عرفت أمانة رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم و صدق لهجته أبضعته مالا يتجر به إلى الشام مضاربا و أنفذت معه مولاها ميسرة ليخدمه في طريقه .
فنزل ذات يوم تحت صومعة راهب فرأى الراهب من ظهور كرامة الله تعالى له ما علم أنه لا يكون إلا لنبي فقال لميسرة : من هذا ؟ فقال : رجل من قريش من أهل الحرم فقال : إنه نبي فكان ميسرة يراه إذا ركب تظله غمامة تقيه حر الشمس فلما قدم على خديجة قص ميسرة عليها حديث الراهب و ما شاهده من ظل الغمامة و ما تضاعف من ريح التجارة فتنبهت به على عظم شأنه و شواهد برهانه فرغبت خديجة في نكاحه و كان قد خطبها أشراف قريش فامتنعت و سفر بينهما في النكاح ميسرة و خافت امتناع أبيها عليه فعقرت له ذبيحة و ألبسته حبرة و غلفته بطيب و عبير و سقته خمرا حتى سكر و حضر رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم و معه حمزة بن عبد المطلب .
و اختلف في حضور عمه أبي طالب فقال الأكثرون حضر مع حمزة و خطبها من أبيها فأجابه و زوجه و هو ابن خمس و عشرين سنة و خديجة ابنة أربعين سنة و دخل بها من ليلته .
فلما أصبح خويلد و صحا رأى آثار ما عليه فقال : ما هذا العقير و العبير و الحبر ؟ فقيل : زوجت خديجة بمحمد قال : ما فعلت قيل له : قبيح بك هذا و قد دخل بها فرضي و لأجل ذلك قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لا يرفع إلي نكاح نشوان إلا أجزته ] .
و قامت خديجة رضي الله تعالى عنها بأمره حتى كفته أمور دنياه فكان ذلك عونا من الله تعالى و لطفا تفضل به عليه منا و إسعافا .
هاجس زيد بن عمرو بن نفيل : .
و من هواجس الإلهام : ما حكاه عامر بن ربيعة قال : سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول : أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل من بني عبد المطلب و لا أراني أدركه و أنا أؤمن به و أصدقه و أشهد أنه نبي فإن طالت بك مدة فرأيته فاقرأه مني السلام و سأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك قلت هلم .
قال : هو رجل ليس بالقصير و لا بالطويل و لا بكثير الشعر و لا بقليله و ليس بفارق عينيه حمرة و خاتم النبوة بين كتفيه و اسمه أحمد و هذا البلد مولده ثم يخرجه قومه منها و يكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره فإياك أن تخدع عنه فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم فكل من أسأله عنه من اليهود و النصارى و المجوس يقولون : هذا الدين وراءك و ينعتونه مثل ما نعت لك و يقولون : لم يبق نبي غيره .
قال عامر : فلما أسلمت أخبرت رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم بقول زيد و أقرأته منه السلام فرد عليه السلام و ترحم عليه و قال [ قد رأيته في الجنة يسحب الذيول ] .
هاجس كسرى : .
و من هواجس الإلهام : ما رواه الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال : بعث الله تعالى إلى كسرى ملكا و هو في بيت إيوانه الذي لا يدخل عليه فيه فلم يرعه إلا به قائما على رأسه في يده عصا بالهاجرة من ساعته التي كان يقيل فيها فقال : يا كسرى أتسلم أو أكسر هذه العصا ؟ فقال : بهل بهل فانصرف عنه فدعا حراسه و حجابه فتغيظ عليهم فقال : من أدخل هذا الرجل ؟ فقالوا : ما دخل عليك أحد و لا رأيناه .
حتى إذا كان العام القابل أتاه في الساعة التي أتاه فيها فقال له كما قال ثم قال : أتسلم أو أكسر هذه العصا ؟ فقال : بهل بهل بهل ثلاثا فخرج عنه فدعا كسرى حراسه و حجابه فتغيظ و قال لهم كما قال أول مرة فقالوا : ما رأينا أحدا دخل عليك .
حتى إذا كان في العام الثالث أتاه في الساعة التي فيها فقال له كما قال ثم قال : أتسلم أو أكسر هذه العصا ؟ فقال بهل بهل فكسرها ثم خرج فلم يكن إلا تهور ملكه و انبعاث ابنه و الفرس على قتله حتى قتلوه هاجس منام كسرى : .
و من هواجس المنام : ما حكاه ابن قتيبة أن كسرى أبرويز بن هرمز كان سائرا ذات يوم فهوم على مركبه و طال حتى استغفل فأيقظه بعض قواده فانتبه مذعورا لرؤيا رآها قطعها عليه الموقظ له فقال : رأيت قائلا لي إنكم غيرتم فغيرناكم و نقل الملك إلى أحمد .
و قيل له : سلم ما بيدك إلى صاحب الهرواة إلى أن ورد عليه كتاب النعمان بن المنذر يخبر فيه أن خارجا نجم بتهامة يخبر أنه رسول الله إله السماء و الأرض إلى أهل الأرض كافة فارتاع لذلك و أكبره و علم أنه الذي رآه في منامه و كان يتوقعه .
هاجس رقية بنت أبي ضبعي : .
و من هواجس المنام : ما رواه عروة بن مضرس عن مخرمة بن نوفل عن أمه رقية بنت أبي ضبعي بن هاشم قال : تتابعت على قريش سنون أمحلت الضرع و أدقت العظم فبينا أنا نائمة للهم أو مهمومة إذا هاتف يصرخ بصوت صخب يقول يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث فيكم قد أظلتكم أيامه و هذا إبان نجومه فحيهلا بالحياء و الخصب ألا فانظروا رجلا منكم وسيطا جسيما أبيض بضا أوطف الأهداب سهل الخدين أشم العرنين له فخر يكظم عليه و سنه يهدي إليه فليخلص هو و ولده و ليهبط إليه من كل بطن رجل فليستنوا من الماء و ليمسوا من الطيب ثم ليستلموا الركن ثم ليرتقوا أبا قبيس فليستسق الرجل و ليؤم القوم فغثتم ما شئتم .
فأصبحت علم الله تعالى مذعورة فاقشعر جلدي و وله عقلي و اقتصصت رؤياي فو الحرمة و الحرم ما بقي بها أبطحي إلا قال هذا شيبة الحمد يعنون عبد المطلب فتتامت إليه رجالات قريش و هبط إليه من كل بطن رجل فسنوا و مسوا و استلموا ثم ارتقوا أبا قبيس و طبقوا جانبيه ما يبلغ سعيهم مهلة حتى استووا بذروة الجبل .
فقام عبد المطلب و معه رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم غلام حين أيفع أو كرب فقال : اللهم ساد الخلة و كاشف الكربة أنت معلم غير معلم و مسئول غير مبخل و هذه عبادك و إماؤك بغدرات حرمك يشكون إليك سنتهم أذهبت الخف و الظلف اللهم فامطر علينا غيثا مغدقا مريعا فو الكعبة ما راحوا حتى تفجرت السماء بمائها و سال الوادي بثجيجة فسمعت شيوخا من قريش و أجلتها : عبد الله بن جدعان و حرب بن أمية و هشام بن المغيرة يقولون لعبد المطلب : هنيئا لك أبا البطحاء أي عاش بك أهل البطحاء و في ذلك يقول رفيقه : .
( بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا ... لما فقدنا الحيا و اجلوذ المطر ) .
( فجاد بالماء جوي له سبل ... سحا فعاشت به الأنعام و الشجر ) .
( مبارك الأمر يستسقى الغمام به ... ما في الأنام له عدل و لا خطر ) .
هواجس في فارس : .
و من هواجس الإنذار و الإلهام و المنام : ما رواه أبو أيوب يعلى بن عمران النحلي عن مخزوم بن هاني المخزومي عن أبيه و أتت له مائة و خمسون سنة قال : لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم أو بعث ارتجس إيوان كسرى فسقطت منه أربع عشرة شرفة و خمدت نار فارس و لم تخمد قبل ذلك بألف عام و غارت بحيرة ساوة فأفزع ذلك كسرى فلبس تاجه و قعد على سريره و جمع وزراءه و مرازبته و أخبرهم برؤياه .
فقال الموبذان : و أنا أصلح الله تعالى الملك قد رأيت في هذه الليلة إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة و انتشرت في بلادنا .
فقال أي شيء هذا يا موبذان ؟ فقال : حادثة تكون من ناحية العرب فكتب إلى النعمان بن المنذر أن ابعث إلي يرجل عالم أسأله عما أريد فوجه إليه عبد المسيح بن عمرو بن نفيلة الغساني .
فلما قدم عليه أخبره فقال : أيها الملك علم ذلك عند خال لي يسكن مشارق الشام يقال له سطيح قال : فأته فاسأله عما أخبرتك به ثم أحضر بجوابه فركب عبد المسيح راحلته حتى ورد على سطيح و قد أشفى على الموت و وضع على شفير قبره فسلم عليه و حياه فلم يخبر سطيح جوابا فأنشأ عبد المسيح يقول : .
( أصم أم يسمع غطريف اليمن ... يا فاضل الخطة أعيت من و من ) .
( أتاك شيخ الحي من آل سنن ... و أمه من آل ذئب بن حجن ) .
( أبيض فضفاض الردا خجر البدن ... رسول قيل العجم يسري للوسن ) .
فرفع سطيح رأسه و قال : عبد المسيح على جمل مشيح وافى إلى سطيح و قد أوفى به إلى الضريح بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الإيوان و خمود النيران و رؤيا الموبذان رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة و انتشرت في بلادها ثم قال : يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة و بعث من تهامة صاحب الهرواة و فاض وادي السماوة و غاضت بحيرة ساوة و خمدت نار فارس فليس الشام لسطيح شاما يملك منهم ملك و ملكات بعدد الشرفات و كل ما هو آت آت ثم قضى سطيح فسار عبد المسيح على راحلته و هو يقول : .
( شمر فإنك ماضي الهم شمير ... و لا يغرنك تفريق و تغيير ) .
( أن يمس ملك بني ساسان أفرطهم ... فإن ذا الدهر أطوارد هارير ) .
( فربما أصبحوا يوما بمنزلة ... تهاب صولهم الأسد المهاصيم ) .
( منهم أخو الصرح بهرام و إخوته ... و الهرمزان و سابور و سابور ) .
( و الناس أولاد علات فمن علموا ... أن قد أقل فمهجور و محقور ) .
( و هم بنو الأم إلا أن يروا نسبا ... فذاك بالغيب محفوظ و منصور ) .
( و الخير و الشر مقرونان في قرن ... فالخير متبع و الشر محذور ) .
فلما قدم عبد المسيح على كسرى و أخبره قال كسرى إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا قد كانت أمور فملك منهم عشرة ملوك أربع سنين و زال ملكهم عن يزدجر الرابع عشر بعد اثنتي عشرة سنة .
اعتراض على الهواجس : .
فإن قيل : فهذا قول كاهن قد أبطلته النبوة فلم يقبل قوله في إثبات النبوة فعنه جوابان .
أحدهما : أنه تأويل رؤيا تحققت خرج بها عن حكم الكهانة .
و الثاني : أنه علمها بنقل الجن كهتوف الجن كما قال الله تعالى : { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم } فإذا سبر ما اختلف طرقه و تغاير وصفه خرج عن القلة إلى التكاثر وعن الآحاد إلى التواتر فصار الظن معلوما و التوهم محتوما